غدير أبو سنينة → العودة إلى النصوص المترجمة
أوغستو رودريغس
نصوص مترجمة · شعر

أوغستو رودريغس

الإكوادور

قبلة المجانين

I

في البدء كنت وأبي نجول متشابكي الأيدي

قبل أن تولد أسماؤنا

قبل بداية عناقنا وقبلاتنا

قبل سهراتنا الليلية المتخيلة في مدن الكحول والتبغ

لن نحقق شيئا

ما لم نتعلم من أخطائنا

ما لم يتحطم هذا العالم بفعل صلواتنا العائلية

ما لم نكن نحن العالم

ما لم تفجر هذه الأرض التي تغلي بين شراييننا الجحيم الموجود في داخلنا.

كان أبي كائنا جلديا صامتا

يحمل في قلبه الحقد والغضب وإدانة الوقت.

رجل الملح، رجل الأحلام الخضراء

كان مقدرا له أن يرزح تحت عاصفة ثلجية أحرقت يديه

اللتين كانتا تداعبان أجفاني البالية

التي رأت ذات مرة كيف كانت حرائق الغابات تهدم امبراطورية الأفق

عبر أبي حافة الأموات ليجد لي مكانا

كان يفسح أيضا مكانا لأمواته ويخبرهم أنني

ابن الغضب، ابن الحقد، ابن الملائكة المغتصبين،

الابن الذي هرب من جنازته

ليسمع تنهدات

النساء اللواتي أحبهن.

أبي، كأس مكسورة أحتسي منها رذائله

أنا رذيلته الكبرى

وريث حقده

اللحم البائس الذي لا يخشى تقسيم الهواء كي يحصل على ما يريد

أنا ميراثه المريض، الذي سيقتل دون رحمة جلاديه،

ارثه المجنون الذي سيمنح الحياة من جديد

لجثث القتلى والجيف، شريطة أن يكون جرحه مادة لإخراج السم.

أبي غرفة مفتوحة على مصراعيها

حيث يمكنني الدخول حافي القدمين

حيث أكون مستعدا لإصلاح أخطائي

هناك أعلم جيدا أنه مرحب بي، إلا أنه علي أن ألتزم الصمت

حتى تتمكن كلماته التي هي في الأصل صمت من أن تجتاز طبلة أذني

عابرة إلى عقلي، حتى تعبر العمود الفقري لتصلب في الأبهر.

علي أن أتعلم كيف أواجه مراياه وآلهته الغاضبة، كنمور محصورة في دائرة

ومحرضة كي تقاتلني وأنا أواجهها بيدين داميتين.

أبي، أتشرف بقبول دعوتك حيث يمكننا أن نتناقش.

II

قضى أبي وهو يخشى اقفال جفنيه

مات وفي أصابع يديه المتورمة خواتم الوقت

مات بعينين نازفتين دما أصفر

مات بأسنان سوداء من تعرضها لأشعة الشمس وتيارات الهواء العفنة.

عندما يموت أحدهم فانه في نهاية الأمر يغادر قفصه

متحولا إلى:

فريسة من الوجوه المتعاقبة للحجر الأصلي

إلى نافورة مياه من ألوان متعددة

إلى عملات نقدية قديمة ملقاة من محاربين قدامى

يترك روحه تتدفق كما القصيدة الكاملة ويذهب بعيدا،

باحثا عن

شيء فقده أحدهم في زحمة أيامه

عن حظ ملقى عبثا في مقهى أو في إحدى أوراق اللعب.

عن أي شيء عدا الموت بين أمواج ورغوة وأسنان بحر يطالبنا -من جنة متخيلة بكلمات

دوغمائية لا معنى لها- بالاستمتاع برؤية رؤوس مقطوعة بصليب ملقى على هاوية الأجراس.

II

أنا السرطان الذي قتل أبي، أنا السرطان الذي قتل أبي. أنا السرطان الذي قتل أبي،

أنا السرطان الذي قتل أبي، أنا السرطان الذي قتل أبي، أنا السرطان الذي قتل أبي

أنا السرطان الذي قتل أبي، أنا السرطان الذي قتل أبي، أنا السرطان الذي قتل أبي،

أنا السرطان الذي قتل أبي، أنا السرطان الذي قتل أبي، أنا السرطان الذي قتل أبي،

أنا السرطان الذي قتل أبي، أنا السرطان الذي قتل أبي. أنا ال...

IV

الأرض تبدو تافهة في عينيك

أبتاه، انظر إلي نظرة حب واحتقار شديدين

فأنا من يستحق الموت والعذاب بهذا المرض اللعين

يشرفني الموت بين أحضانك

فأنت السكين التي ستغرز في قلبي

اقتلني أبتاه مرة واحدة. فأنا كبش الفداء الذي تراه في كوابيسك.

V

في قلبي امرأة مسنة تداعب عضوها، في عضوها هناك شجرة تهزها الريح،

في الريح طفل يبكي أباه الذي ذهب إلى الحرب ولن يعود أبدا،

في الأب الراحل هناك ماض يغلي بين أجفانه.

في هذا الماضي امرأة تحب بجنون وتنتحر مرة تلو الأخرى، في هذه المرأة مستقبل لن تعرفه أبدا،

في هذا المستقبل طفل ينتظر خروجه للعالم وبما أن لا جذور له فإنه يغرق في رحم الموت.

في هذا الرحم محارب كهل يذكر المرأة أن تمسد عضوها، في عضوها سفينة تغرق في البحر،

في هذا البحر شخص منبوذ ينتظرجالسا نهاية العالم. في هذا المنبوذ قلب مجروح مكسور مطرود من الحب.

في هذا القلب المطرود طفل حديث الولادة يتنفس الهواء الملوث بالفشل، في هذا الهواء قصيدة تكتب

بيد مليئة بالظلال، في هذه اليد آلاف من الأحلام التي تحلم بتغيير العالم،

في هذا العالم مليونير يتناول عشاءه في أفخر مطاعم باريس

ولا يدري أنه سيلاقي حتفه في اليوم التالي.

في هذا المطعم وتحديدا في الحمّام هناك عاشقان يتضاجعان بجنون.

في تلك المضاجعة كان السائل المنوي في حرب لتحقيق المجد،

في ذلك السائل دلائل على ولادة مسيح جديد،

في تلك الدلائل انذار أحمر ينذر المطعم بوجود قنبلة

زرعها إرهابي، في هذا الإرهابي قلب بالكاد يخفق من الخجل،

في هذا القلب امرأة مسنة تصل إلى نشوتها.

قواعد الرغبة

الإنسان حالة صلبة تتحول مع الوقت الى سائل. ثُمَّ إلى معادنَ أُخرى تاركةً الطِّينَ بداخلها. تَتَحلَّلُ في سائلٍ يُشبهُ تارةً الخَلَّ وأُخرى بِنزينَ الأشياءِ القابلة للاشتعال.

هو مادَّةٌ مُحدَّدةٌ لعملِ أنواعٍ مُعيَّنةٍ من التَّغييرِ في العالم الحيِّ. عضلةٌ تنفصلُ بِحكمِ العادة عمَّن تُحِبُّ وتَمضي قُدُماً لِمُستقبلٍ لا تَعرفهُ ثم تعودُ إلى الماضي وتبدأُ الفوضى.

الإنسانُ كوكبٌ من الأحاسيسِ والشَّرايينِ يَذكرُ مَعدن أجدادهِ الأوَّل. قلبٌ محدودٌ لا يؤمن بالنَّصرِ، لكنَّهُ بحكم العادة والَّلباقة يُناضل من أجل الزَّمنِ النَّائمِ. هو سطحٌ من الحجرِ والماءِ يحلمُ بقواعد جسد المعشوق، ويتوقُ إلى الرَّغبةِ الجسديَّةِ لأدواته الرَّطبة.

الإنسانُ جسدٌ ضعيفٌ من الغازات، وهو أَقلُّ شأناً من الحلمِ والحقيقة. هو في علاقة هَرَمِيَّةٍ بين النَّباتِ والفضاء. يداهُ معركةٌ خاسرة. رُعبٌ لا قالِبَ له يَتَأَكْسَدُ مع السُّمِّ. قطعةُ فاكهةٍ ناضجةٍ تسقطُ في الفراغِ دونما حراكٍ، ودونما قشرةٍ، ودونما إيمان.

دم القتلة

في الغرفة

تشعل الكتابة لهباً

يكشف عن أشياء لا أرغب في رؤيتها

أو سماعها

ليس هو سوى مصباح يضيء

بدم القتلة

ومخلوقات ليليَّة

ليست هي سوى خريطةٍ تحملني

لمقابر من عظام

خريطة تتجاوز الحدود

حين تشير إلى الخطّائين

الكتابة غابة

تفكِّك لنا حوافَّ موتنا.

رأس على المائدة

الرأس بلا جسد

يسترخي على المائدة

لا أحد يعرف كيف وصل هنا

ولا من فصله عن جسده

لا نظريَّات

لا متواطئين ولا شهود

يجلس الرجال

مع شُوَكهم وسكاكينهم على المائدة

بلا سعادةٍ ولا حزن

فقط يُقطِّعونه قطعاً صغيرةً

يُقطِّعون الرأس ويأكلونه.

ثمَّة أشياء نرفعها بالنظرة

ثمة أشياء نرفعها بالنظرة

ثقلها مجهول

واضحةٌ كالماء

لكنها غداً ستكون معتمة

كأسنان الذئاب المفترسة

أشياء لها أسماء

لكنَّها مع الوقت تغيِّر هويَّتها

أشياء لها ألوان مختلفة

حسب العين التي تراها

أشياء تتغير قامتها

ملامحها وهيئتها

التي تولد وتموت في صمتٍ

تماماً كالناس في زماننا.

حلم المحكومين بالإعدام

عظامي

أنجزت مهمَّتها

في الحفاظ على هذه الجمجمة

وعلى هذا الجلد التالفِ

مع كلِّ عاشقٍ وفي كلِّ لحافٍ

واسعٌ هو الكون لرجلٍ مثلي

لا يتقن غير الشُّرب

والتَّزاوج

وإنكار الحياة

ها قد أنجزت عظامي الأمر الأهم

وها هو حلم المحكومين بالإعدام

يتحطَّمُ شراذم

ويتهيَّأ للنَّوم.

آلة اصطناعية

تعلن النُّبوءاتُ

نهاية الإنسانية

فيما أمارس العادة السريَّة وأسقط

قليلٌ ما أستطيع كتابته

من جانب الأشياء هذا

من هذا العالم الذي أنتمي إليه

في تقلُّبات الأبجديَّة

ومن المرايا التي تضيقُ بنا

أرى المرأة التي أحبُّها

أُعانقها

وأفكِّر أنَّ الوقت قليلٌ

كي نكون سعداء

في هذا العالم

أعرف أننا سنموت قريباً

كهذا الكون المريض الذي يتنفَّسُ

من آلةٍ اصطناعيَّة

عبر ممرِّ المُستشفى

الجريح يُجرجرُ نَفْسهُ

عبر ممرِّ المستشفى

محتضرون حديثو الولادة

صيحات، أوجاع، أدوية

ـ منتهية الصلاحية -

جريح يجرجر نفسه

عبر ممر المستشفى

من الداخل يجتاحه

الموت والشياطين

الجانب الأضعف في جسدي

أنا أكثر من مجرَّدِ لقب

سيتلاشى من الجنس البشري

بضعة أوراق ثبوتيَّة

تشي بي إلى القاتل

لا أجد رأسي

في هذا الجسد المختبئ

الذي يهيج وينكر ذاته

أحدهم مات

في جانب جسدي الأضعف

لم أتعرَّف إلى اسمه أو صوته

فجانب جسدي الأقوى

يتزحزح نحو الأمام ويفرُّ.

بكاءُ مقطوعي الرأس

الدمى بلا رؤوس

تذكِّرُني ببكاء مقطوعي الرأس

لا بأس إن عانوا من الهجران

من جرعات المخدرات الزائدة

أو من مشاكل في القلب

يبكون حيضَهُ

ودماءهُ نهاية الشهر

ويُغرِقون كلَّ شيء من الفزع

الدمى بلا رؤوس

تبكي عبر عيني

دُعاءُ الأموات

هذه الليلة

أتذكَّرُ أمواتي

كمن يُخَلِّدُ أوَّلَ عظامِ البُؤسِ،

وطائرَ العنقاءِ،

والقلمَ الذي خطَّ للمرَّةِ الأولى أسماءنا.

في ذاكرتي

تَسبحُ

أسماكُ القِرْشِ

مُكتشفةً الجماجمَ التي تُخَبِّئُ نقوشَ الأَحياءِ.

هذه الَّليلةُ

أُشْعلُ الشُّموعَ

أتذكَّرُ أمواتي

أستدعي أشباحَهُم

وأستقبلهُمْ بذراعينِ مَبتورتَينِ.

هياكلُ عظميَّةٌ

حتماً لن يأتوا إلى الموعدِ

فقد انسلُّوا من الحفلِ مع عاهرةٍ رخيصةٍ.

سيعثرونَ على طاولةٍ ما

سيشربون بعض الكؤوس

محاولين العبور إلى العالمِ الآخر.

لكنهم لن يهربوا

فما زال أمامهم الكثير كي يَثْمَلوا

ويعشقوا

ويضاجعوا

ويكتبوا.

سأتذكَّرُهم دوماً

كسحرةِ بؤسٍ تافهين

خَطُّوا بأجسادهم العارية

أفضلَ قصائد المجد

دون أن يخلعوا الأقنعة أمام ميدوزا.

يوماً ما لن يعودوا

و أنا لن أعودَ كي أراهم كما الآن

لن يكونَ هناك سوى عشراتِ الهياكلِ المدفونةِ في هذا الكون.

يوماً ما سيجلسون على حافَّة البحرِ

لقراءةِ أفضلِ قصائدهم

عندها لن يكون لنا وجودٌ.

جمجمة تَحتَرِق

الإنسانُ جمجمة مُهَشَّمةٌ مُتَفَحِّمةٌ بلهيبٍ داخلٍ وخارجٍ. جُمجمةٌ لا خلاصَ لها ولا راية. قَلْبٌ دافقٌ لا يعرفُ التَّعبَ. جمجمةٌ كبيرةٌ تَنبضُ وتحلمُ بكوابيسَ مُتقطعةٍ. جمجمةٌ مُهَشَّمةٌ انهارت فيها أفكارٌ كثيرةٌ كي تضمنَ العيشَ، كي تَتَمتَّعَ، كي تبقى على قيدِ الحياةِ، حتَّى لو كانَ كُلُّ ما حولَها تافهاً عديمَ الفائدةِ لا جدوى منهُ. الإنسانُ جمجمةٌ يشْتَعِلُ فيها جحيمٌ كامل.

عارية في الهواء الطلق

لِتَكن الكَلمةُ مِفتاحَ الوَعيِ

مُحَطَّمةً الأبوابَ الموصدةَ بيننا

مُحَرِّضةً لأَفكارنا

ومُزَلزلةً آفاقَ نظراتِنا.

لِنَقتلِعَ أعيُننا من محاجرها ونهديها

لعابري العوالم الأخرى.

لِتُدْفَنَ الكلمةُ في ذاكرتنا

وَلِتُحَلَّ شيفرةُ دواخِلِنا.

لِنُشعِلَ عُقولَنا

ونبقى عراةً في الهواءِ الطَّلقِ.

جَسَدٌ مَريضٌ

ما الكَلِمةُ سوى عمودٍ فقريٍّ لزرافةٍ انشطرت قسمينِ. طائرٌ يَحتضرُ كقدمِكَ البارزةِ من تحت لحافي. علومُ حسابٍ أساسِيَّةٍ معكوسةٍ لأطفالِ المدارسِ. أُذُنٌ تَذْكُرُ دوماً أُغنِيَةً جميلةً لا وجودَ لها. قِطَّةٌ أمريكيَّةٌ لا توجَدُ سوى في ثلجِ الذَّاكِرةِ. رأسٌ مُهَشَّمةٌ تَستيقظُ في الحُلُمِ.

الكلمةُ جسدٌ مريضٌ يَتَخلَّصُ دوماً من الفاكهةِ المُحْتَرقةِ.

لا موسيقى و لا أياد

من الخلف أُغَنِّي. تَهْجُرُني ذراعايَ. أرقصُ دون إيقاعِ طبلٍ، دون دورانٍ. عظامي تستديرُ حول محاورِها وَتَتَحرَّكُ على وَقْعِ أوراقِ جسدكِ. رِجْلايَ وَتَرانِ لقيثارةٍ بِكْرٍ، إذ لا توجدُ موسيقى ولا أيادٍ. تَتَحَسَّسَ أصابعي صدرَكَ، وأَتَوَغَّلُ في ماضيك.

أجفاني خرائطُ صغيرةٌ تَحمِلُني على احتلالِ مَملكَتِكَ البائسةِ المنبوذةِ. أظافري مروحيَّةٌ تُرفرِفُ فوق جبينك. أرقصُ في شَفَتِكَ السُّفلى وهكذا تكون ابتسامَتُك بطيخةً مقضومةً.

أحمرٌ مُشوَّهٌ من الرَّغبةِ

أرى ملائكةً تهوي دونَ أجنحةٍ

يتحدُّون فروع التاريخَ المختلفةَ

وأنا شاهدٌ ستمحيني الذَّاكرةَ.

تتلصَّصُ عَلَيَّ ملائكةٌ في هذه الغرفةِ.

وتهطلُ في المدينةِ أمطارٌ غزيرةٌ

ولا أحد يلتفت إليَّ.

لا زالت الملائكةُ تهوي

حمراءَ من الرَّغبةِ مُشَوَّهةً

وأنا أُحصيهم على جبهتي.

هندسةٌ خاصَّةٌ بِكِ

إلى ماريتسا روميرو بيرنال

Maritza Romero Bernal

أرى

آلاتك المدهشةَ

أتشَمَّمُ عنقك خلفَ ضفائِرِكِ.

كأنَّني عقربٌ على أقمشةِ الثِّيابِ

بكماءَ و سامّة.

أتأمَّلُكِ كَمُعجزَةٍ

في مرآةِ الزَّمن.

أُحَدِّقُ في يديكِ البريئتينِ

وبِكُلِّ هدوءٍ

أُداعِبُ أطرافَ أصابعك.

زمنٌ يُناكِفُني

حتماً لن أفقدكِ فيه.

مسرح العالم الكبير

ب

أحلُمُ بالأعراق

التي سبقتنا مع أطفال أمراضنا

آلافٌ من الكلمات تتكرَّر

دون أن تعنيَ شيئاَ

سمكةٌ هي الكلمة

خارج الوعي

قَدِمنا من شجرة بيولوجيَّة

من لحمٍ وبؤسٍ

نحن

أبناء الدهشة والنور

والمرضُ

نزوحٌ

يُمارس وظيفته في جسد الأشياء الهالكة.

ج

لن ننَظِّف وجوهَ وضلوعَ

أسلافنا القديمة

كانت السكِّين سكِّيناً

لأنَّها اجتازت الأعصاب والدم

لم تتمكّن من إيقاف نار

وغضب

أمواتنا

السكين

إلهٌ صغير

د

بقيَ القليلُ من أسمائنا

وأصولنا

نظيفةً تصل أجسادُنا

القادمة

من الشهوات والرغبات

كانت ملطَّخةً

بالاغتصاب

بالحبر الطازج

بالرجال الضُّعفاء الشفَّافين

اللسان عضلةٌ

تكتبُ تاريخ المنهزم

لم يولد أحدٌ من إله

نحنُ آلهة العدم

والمستقبل

اسمع كيف تحوم الحشرات

في قلبك

ستستمع للربِّ وهو يصلِّي

هـ

الكلمات

حيواناتٌ صغيرةٌ

حشراتٌ

ثعابين غير سامَّة

تُقبّل المرأة

من فم أجنبيٍّ غريب

شنق نفسه بيديه

الكلمة سمٌّ

تُخبِّئُهُ شفاهُنا

و

الكلمةُ نهرٌ

يشلُّ حركَتَنا

الأرضُ نارٌ

تغلي

في قِدْرٍ من العَطشى

والأموات

الذين

لا وجوه لهم

ز

لا يُمكن للأرض أن تكون العالمَ

فالقواعدُ

خدعةٌ

نُعمِّرُها بالأعصاب

ليس العالَم علامةً

تدُلُّنا على البيت

الكلمة

سماءٌ هزمتها

الطيورُ

التي ماتت

دون أقفاص

ح

ماذا عساي أن أقول

عن ركبتيَّ

أو عن أبي

على ألّا يكون ألماً أو سرطاناً

وُلِد العالَم

من بين فخذي نساءٍ بسيطات القلب

الموسيقى ملأت صوت الفراغ

في البحار

إنسيٌّ قدّم جسده ليَكتب من جديد

تاريخ البشر جميعاً

ط

لا أدري

كيف سيُلملِمُني الرماد؟

كيف خلقني الدخانُ صورةُ

لا تُشبِهُ أحداً

إلهي

ماذا خلَقتَ منِّي؟

ق

سأذهبُ كي أبحثَ عن رغبتي

في الجسد

في جذور

أسمائنا

أودُّ أن أعرف

أين تولدُ وتنتهي

قبيلتُنا

حتّى لو لم أكتشف يوماً

أصلها

سأقولُ إنَّني

أنا أصلُ العالم

ل

لا أحد سيولد

ويموتُ بعدي

أنا القبيلة

أريدُ أن يَكتُبَ العالمُ من جديد

أنَّ الزمن يُرجعُ الزمن

ونعودُ إلى البداية

سأكتبُ تاريخَ البشريَّة

وهكذا سيُنكِرونني

أو سيُنكِروننا

كائناتٌ تتفرَّعُ

من شفاه الربِّ

م

أحلمُ بكواكب تائهة

في المجرَّة

كوكبُنا تائه؟

أريدُ أن أتعرَّفَ

إلى النور

لفكرٍ أسمى من

عقولنا التافهة

الصوت هو فقط من يَصمت

ويُنكِرُ نفسَهُ بنفسِهِ

اللسان سكِّينٌ صغير

يشحذُ الوقت

الكلمةُ هي موتُها النهائي

ن

السفن تجوبُ السماء

الضمائر تُنكرُ ذاتها

لأننا عرفنا أنَّ الهواء هواء

نتفَّسُهُ فقط

الفاكهةُ الطازجة

تتعفَّنُ في اليد

والإنسانُ

هو الغيابُ الطازج

فراغُ الفراغ

الأسنانُ

تمضغُ الكلمةَ

ولا فيتامينات

للجسدِ الآسِن

كبدٌ جريح

يُسمِّمُ الجسد

س

حجارة قبيلتنا

لها ترتيبٌ ونظافةٌ

يَلِيقانِ بِوجْهِ امرأةٍ

ترتفع الحجارة

واصلةً سماء الجمال

ع

لا نليق

بالهزائم

رغم أنَّنا

محكومون

بالأخطاء

أبناؤنا

هم أحلام

أو كوابيس

قبائلنا

هم من سيكون عليهم

أن يواجهوا

غضب القاتل

دمه سيكون السم

II
1

يبحث الإنسانُ

في الأرض دوماً

عن الموت والقلب

عن الناس البسطاء

مستدِلّاً بخطوط يديْهِ

وبعيونٍ ملتهبة

يَزحفُ

منذ أن لم يكن الزمن

هو الزمن

في يومٍ ماطر

الآن بالكاد تظهرُ

لأنَّها خجلة

من استنشاق الهواء

تشعر كأنَّها مدينةٌ مكتظَّة

تقوم من بين الرمال

فيما الحجارة

تروي قصصاً رائعةً

الإنسان

فَقَدَ المسافات

تَعِبَتْ شرايينه

من كثرة الموت الأحمق

2

يَستنفِرُ

بعيونٍ جاحظةٍ للخارج

مكسوّةٍ من الداخل

دون عظامٍ ولا ذكريات

عَبْرَ البارات الخشبية

وأوكار نيرانٍ ومياه

تُغرِق الأساسات

يُراقِبُ الجميع

الذين سقطوا

أمواتاً بسبب الطلقات

بسبب السرطان

أو الغرغرينا

الإنسان

فقط يصير بجناحين مشوَّهيْن

3

القاتلُ

يقطعُ مرَّةً أخرى

رأسَ طفلٍ مُغتصَبٍ

أو عجوزِ أعزل

يعبرُ ثعبانُهُ

كريستالَ الأجساد

حتّى يراها تنزف

يَشربُ الرجال

ويستولون على المدينة

تُذهب المخدِّرات عقولَهم

فينتزعون الأقنعة

هم المُختارون

الآلهة

الغرقى

كم فضاءً

يحترقُ في أدمغتهم؟

4

يعود الإنسان

لمكانٍ لن يرجع منه

لن يكون لديه شفقة

ولا رحمة

يقرأ النعيَ

ويجد سيرتَهُ

في صفحة الوفيات

لا تخشَ الذهاب

للطرف الآخر من العالم

وأعطِ عيون الرب

للأشياء

التي تتظاهر بالاختفاء

اسمعوه

ضاع

دون أن يطلب أيَّ عملةٍ

فقط ما يخصُّهُ

وما أخذوا منه

يعلمُ أنَّه أضاع الرحلةَ

حتى وإن لم يكن لديه

تاجُ المجد

5

يبدو أن الكلمات

تنتفخ

وتتمدّد لدرجات قصوى

وتبدأ بالدوران

حول محورها

الخلود

يُبدِّدُه الحلقُ

والشرايين

ينام مرَّات كثيرة في اليوم

لكنَّهُ متيقِّظٌ دوماً

حيث يحظُر الآخرون

النشأة

أضاع مفاتيح البحر

6

من بمقدورِهِ تحريرُ هذه الذاكرة

التي تفكِّرُ بالطيران دون أجنحة

ويصرًّ بأجنحةٍ جدريَّةٍ

لا يستخدمها

بسبب الخوف

-لا أحد يفهم إشاراته-

من الليل ترشحُ

حيوانات مبهمة

شيفراتها مُربكة

أسرار أمجادها

عليها أن تعود

لعمق القبور

لعمق البحار

للبحث عن الكلمات

وحين تفهم

ما عليها فهمه

ستسكت ستسكت ستسكت

III
أ

أصل الحياة

موجودٌ في أيدينا

الإشارات

الطرقات

المسارات

توجد في آفاق الأجساد

القبائل

قطعانٌ صغيرةٌ

من العظام والآمال

تُعيدُ بناء

البيوت والمعابد

المعارف

أساسية وابتدائيَّة

ب

الأجساد

تعبر الصُّدَف

لم يكن هناك معضلات

كان الصَّيدُ مفتوحاً

اللحم والدم

كانا يتدفَّقان كسيول

ج

القبيلة

كان عليها أن تُكمِلَ سيرها

وأحياناً

عليها أن تناضل

ضدَّ العدو/ المرآة

الرجلُ يقتل زوجته

الأمُّ تقتلُ ولدَها

الولد يقتُلُ المستقبل

د

ثمَّةَ رجالٌ

يعيدون بناء أنفسهم

من الرّماد

ثمَّةَ رجالٌ

لا يخشون

تدمير عِرقِهم

فقط من أجلِ اشباع

أكثر غرائزهم دنيويّة

هـ

الشهوة/ الذنب

قوَّتان/ مُتناقضتان

يختارهما الإنسان أحياناً

كي يعيش

حتَّى إن كان العقلُ

يتجاهلُهُما

و

لا توجد آلام

دون أحاسيس أوّليّة

لا دم

بسبب شرِّ قادم

لا موت

لا يكون فيه الرب

متورِّطاً

ز

صليبُ الإنسان

في معرفتِهِ

في مشاعره

في هذيانَه

في ذنوب لا يتخيَّلُها

صليب الإنسان

هو الإنسان ذاته

ح

لا سُبُلَ

لا نهايات

لا آثار

تقودُنا

العمى في العين

كسرطان في الجسد

الطريق في نظر

الإنسان

ط

الجسد

ثابتٌ في الفضاء

المرض

نهاية المطاف

العمر والشيخوخة

علامةٌ واحدة

بقيَ لنا القليلُ من الوقت

فلنهرُب

ي

لِنَكُنْ ورقةً مُحْتَرِقةً

الكلمةُ

علامةٌ تعبُرُ الأرضَ

لا شيء غريب

على الإنسان

ولا على الرب

-ما زال أمامنا الكثير لِنُفَكِّكَ شيفراته-

الطريق الذي بدأ للتو

أوغستو رودريغس

في جنوب القارة الأميركية، وتحديداً في الإكوادور، يقود الشاعر الإكوادوري أوغستو رودريغس (Augusto Rodriguez) حركة ثقافية مع مجموعة من رفاقه الكُتّاب تحت عنوان "باص ورقيٌّ صغير"، كأنما هي رحلة في عالم الأدب ضمن جغرافيا محدَّدة بمدينته خواياكيل التي وُلد ونشأ فيها.

يُعتبر رودريغس (1979) من الشعراء والكتّاب النشيطين الذين لا يركنون إلى أحد في مسيرتهم الأدبية، بل هو صاحب فضل ومبادرة في تنظيم معظم الفعاليات الأدبية (من محاضرات وندوات وأمسيات شعرية وورش عمل) في مدينته، دون التفاتٍ لمحدودية الإمكانيات المادية.

رودريغس، المعتمد أساساً على موهبته، أخذ طريق الاحتراف في كتابة الشعر وغذّى هذه الموهبة بالمعرفة. في قصائده، يقفز من ثيمة إلى أخرى بمرونة تصيب القارئ بالدهشة والإعجاب، فتتراءى لنا بجلاء حيرته وهواجسه وتساؤلاته عن الموت والوجود والذات الإلهيَّة؛ قصائد نتلمس في عدد منها نَفَساً صادقاً لتأثَّرها بموت والده المبكر ومعاناته مع المرض، فيما تتراوح قيمة قصائده الغزلية بدون أن تسقط في المبتذل.

عن احتكاكه بالشعر العربي يقول رودريغس: "القليل جداً من الشعر العربي بلغ هذا الجانب من العالم. وما قرأته منه أدهشني بآفاقه وصوره وطابعه الخاص جداً. أحياناً أشعر أن الشعر العربي خُلق ليُسمع لا ليُقرأ فقط، وقد استمعتُ إلى نماذج منه في نيكاراغوا والإكوادور والمكسيك".

في "غرفة العمليات"، وهي دار نشر صغيرة أسَّسها بالتعاون مع كتَّاب آخرين جمعتهم الأحلام ذاتها، يصدر رودريغس عدداً من الكتب والدواوين كل عام بتوزيع محدود لا يتجاوز المئتي نسخة للكتاب الواحد. هذه المحدوديّة في الموارد لا تجعله ييأس أو يتراجع عن الطريق الذي مضى به لإسماع صوت آداب القارّة اللاتينيَّة في بلده. ويعلِّق على ذلك بقوله إنها دار نشر متواضعة لكنّها تهتم بالكتابات الجديدة والمختلفة وخصوصاُ من الجيل الحديث الذي غالبا ما تهمِّشه المؤسسات الثقافية الحكومية.

يعمل رودريغس في الصِّحافة إلى جانب نشاطه في النشر. من أعماله الشعرية: "بينما هي تقتل البعوض" (2004)، "حيوانات مفترسة" (2005)، "الوحش الذي يسكن داخلي"، "أناشيد ضد ديناصور ثمل"، (2007)، "قواعد الرغبة" (2009)].