

من شجرة العائلة
أعرف
بضع حوافٍ
من أغصانها.
أرواحٌ مجهولة
منحت الشجرة كل شيء
مضبوطاً على أطرافها.
بعد أن كان عاملاً في منجم
جدّي لأبي
حَرَسَ مدرسة
لثلاثين عاماً
وحين كان ينام
كان يتحوّل لكلبٍ
كي لا يجرؤ الطلّاب
على القفز عن الجدار الذي يحمي
اختباراتهم.
في يوم موته
هبط ساحرٌ من الجبال
وفتح فمه
ليبتلع قوّة الرجل
الأبسط في العالم
جدّتي لأبي
ماتت بين يدي
كانت طيبة
كضفائرها البيضاء.
كانت قدّيسة
بعيبٍ واحد
التردّد المتواصل على المشافي.
وحين ماتت
ولعدّة أشهر
كنت أرى كتبي ملقاة على الأرض
الأثاث ليس في مكانه
المزهرّيات محطّمة
وصنبور مياه الاستحمام يدور
في منتصف الليل.
في عدَّة مناسبات
كانت روحها تجلس بجانبي
في السرير
وتراقب نومي.
عاشت معنا منذ زمن
ولم تشأ أبداً
الخروج
من ذلك البيت.
لم أعرف جدّي الآخر
كان قد قُتل عام ألف وتسعمائة
وستة وسبعين.
كان قتله الطريقة الوحيدة
لكتم
ثورته.
رجل ذو بصيرة
أسّس المدرسة
ومستوصفاً طبياً في قريته.
سيارته الفورد
كشفت عن ثمانين طلقة
واحدة منها فقط
أصابت قلبه.
جدّي
جدّ سبعة وثلاثين حفيداً،
لم يتمكّن من عناقهم
شجرة عريضة كثيفة
تتّسع
لكلِّ ظلالنا.
جدَّتي لأمي
هاجرت للعاصمة
مع عشرة أبناء
علَّمتهم قدر ما استطاعت.
تعلّمت العيش وقوفاً
بقوّة تمثال
سكن عظامها.
يداها تباركنا
متجاوزة الحدود
التي تخطَّت
بعضاً منّا.
مرّ تسعون صيفاً
وشتاءً
وبقيت قوّتها هي الأنصع.
بطلات وأبطال
أحمل دماءهم.
منهم
بدأت قصتي.
الشعراء لا يرحلون:
مصيرهم
جدجدٌ يكشط الجدار
ليلاً.
عند مغادرة بلد ما
يعتقدون أنهم يهجرون طفولتهم،
لكن خطوات طفلٍ
حول العالم
تتبع رحيلهم.
أحدهم ينكر عليهم
حلوى "غزل البنات"
ولا شيء أكثر حزناً
من نور شاعر يخبو
بعد عشرين عاماً
مقابل لعبة
ميكانيكة.
يخضعون التوازن
لمكان ما في الطريق
وفي كل رجوع
عودة لفترة الرضاعة.
آليتهم الشبيهة بعمل النمل
تفتح سبيلاً
من الأوراق.
الشعراء أشجار
تهرب
تريد لجذورها أن تنمو
في كوكبهم الخاص.
بورخيس كامبريدج
يلتقي
بورخيس جنيف.
كلاهما طائرة ورقية
يتقاسمان نظرةً تواجه النهر.
أحدهما مسنٌّ يروي التاريخ
على أنه حقيقة،
الآخر شاب
يجيبُ
كما لو كان التاريخ حلماً.
بورخيس كامبريدج
يحاجج في أسئلة
يطرحها الشاب:
ويعترف له في النهاية
أنه سيعمى يوماً ما
بالتدريج
كمغيب بطيء
في يوم صيفي.
يغادر الشاب
دون أن يلمس
الوجه الذي سيكون له
بعد خمسين عاماً.
وحده يعرف
أنه سيعود لكامبريدج
كل صباح طوال حياته،
ليطلب من النهر
أن يعيد عينيه
للحبر
الذي يسيل
فوق الماء
للأبد.
أيذكر المصابون بالزهايمر
القُبل الحقيقية،
الحروب اللانهائية،
تراكم العداء والثارات،
خلف درب تبّانة حياتهم؟
في أي وجه تفكّر،
الأيادي التي تبدو
كأنها تبحث عن خارطة؟
الأضرحة بالنسبة إليهم
ليست ألبوماً لشواهد القبور
بل روزنامات فارغة،
توازي
الأشياء المنسية
لتعود.
ذاكرتهم أرجوحة
نشيد
يمكن إرساله
للطفولة
أو إرجاعه من جديد
بنظرة قذرة للعالم.
نظرة تنفرد
في الهواء،
كأنما هي
ملحمة من الذكريات
وليس قارورة رماد
تحمل أصواتاً لطرقات محنّطة.
ربما نظنُّ أن النسيان محزن
لكن الأشد حزناً
أولئك الذين يحملون
مرارة طفولتهم
حتى آخر أيام حياتهم.
أمّي تجذِّف في الصورة.
ابتهاجها
لا يسمح لها بتحطيم
الابتسامة الجميلة
على وجهها.
تبدو بصحّة جيدة،
تنفض جروحها
كمن يزيل
بقايا حطام
خلَّفه.
لا تدّعي
تتصرّف بشجاعة قارب من ورق.
تفرد أشرعتها
رغماً عن أوردة الزمن المتضخّمة
والأشجار المحترقة
التي كبحت جماح طيورها.
أراها تبتسم
دون أن يبدو عليها فقدان السمع،
مبحرة في المشافي
تهزم الدوار
وتروّض ضعف الإنسان.
تغرق أمي في ذاتها.
أندهش لسعادتها
وهي الطفلة
المتحكّمة عند الجد
بتمايل البحر.
أحاول تخيّل أول حذاء لأبي
أكان له لون لحاء الشجر
وقت الفجر؟
وأربطته،
أكانت قويّة
كالأربطة التي تشدُّ حطب مزارعٍ مجاورةٍ..
حطبٌ كان يفتقده هو وإخوته
في الأيام الماطرة؟
ونعله،
أكان قاسياً بما يكفي
للدوس على الأشواك؟
والكعب الثابت،
أكان قادراً على استيعاب
توازن جديد؟
هزيلاً دون شك
كان طريق الحذاء المخيَّط
في بُعد القدمين العاريتين
المجهول.
هل تناول الحذاء
من رفّ ما
أم أن الحذاء خرج
من قلب الإسكافي
مباشرة لقدميه؟
هل خشي أن يُستهلك
إن ارتداه
في الخامسة صباحاً
لهمز بقرات
الأسياد الإقطاعيين
الحاضرين في طفولته؟
هل أوصله للمدرسة
وقت فراغه من العمل
أو أوصله لبائع فطائر العسل
قبل وبعد الدوام المدرسي؟
هل مكّنه
من زيارة
أي فتاة
أخيراً
بقدمين نظيفتين؟
لكم تُربكني
القصص التي لم تُروَ بعد
عن حذاء أبي.
ظهر البحر
حيث انتهى الشارع
شاطئ مختبئ
يُدعى: بونتا راتون
رمال سوداء
رياح مخنوقة بالملح.
كنّا نحطم الأمواج
كيسروعات شقية
بأياد
متقرحة
بفعل الماء.
كنا نحب ذلك المكان
الذي بدا شبيهاً
بنهاية العالم:
المساءات كانت طويلة
وكانت الشمس تضيع
في ملابسنا المهجورة.
مع الوقت عرفنا
بحاراً أخرى
أكثر زرقة،
أكثر بعداً،
لكن ذلك الزمن كان برونزياً
ومنحنا كل أسباب
الغرق.
كان اسمه
المحيط الهادئ
ذلك البحر الذي يبدأ من الجنوب.
ذكراه
تصرُّ
على إعماء
أعيننا.
من هنا وحتى الداخل،
البيت لي
لدي أنوار، ظلال
آدمية وذئاب.
أؤمن بالبكاء
أصبر على زلَّاتي
أهب نفسي بالكامل
لبعض اليوتوبيا
أخرج في الأيام الماطرة،
أدخل
وتلفحني شمس الذاكرة.
أريد أن أعيش
حتى الثمانين
أن أضحك
بمرارة
إذ بكيتُ سيولاً.
من هنا وحتى الخارج
البحر هو السماء
الهابطة،
الطرقات تمرينٌ
على الحركة والراحة،
الأشياء اليومية تمضي
كأرضية العقل
ستنفتح شهية ضفاف
لا حاجة لها بفواصل.
من هناك للداخل
بيتي هو بيتك.
الأمور العادية
ليست على مقاس
الأبطال الخارقين
لا أحد يراهم يبولون
أو يفركون أنوفهم،
وحين تسقط عليهم رافعة ما
لا يبكون.
تحبطني
عواطفهم المستقرة
فجميع الفتيات
معجبات بهم.
أشكِّكُ في مؤتمراتهم التلفزيونية،
بحبّهم الحقيقي
للأرضيين.
عوضاً عن تقديم العون
هم المثال السيئ
للتعامل مع الضرائب
أتساءل إن كانت الضرائب المفروضة على "بروس واين"
تشمل نفقات باتمان.
أجندتهم تقتضي نزع الأسلحة
النووية
أو قتل الكائنات الفضائية
التي تسعى
لغزو الكوكب
الأكثر ازدحاماً في درب التبّانة،
ولو تبقّى وقت
يطفئون مبانيَ محترقة
لإنقاذ
قطط نيويورك البيضاء.
أبطال خارقون مزعجون
يذهبون عادة لما هو مضمون
ويعلمون أنه ليس لدينا من مُنقذ.
شاعر هندوراسي من مواليد تيغوسيغالبا عام 1981، صدرت له عدة مجموعاته الشعرية، هي: "المتسربة" (2000). "مفاهيم للحب" (2005). "ربما أكثر من أي وقت مضى" (2008). و"هندسة ابتدائية" (2014). "الطفولة شريط من الطقوس" (2016). إضافة إلى روايته "انقلاب السقّالة".