

لسنوات لم يكن له عنوان،
فقط ما كان يدفعه رغبة غريبة في أن يحوّله كل شيء ويربكه.
الوقت الذي يحياه، وذلك الذي قضاه،
ملجأ القتلة الفاخر هذا
يلفّه ببؤس ورعب وآلام.
على جانبه قلوب مسوَّرة
تسير دون أن تترك له شيئاً
لمسة لون يائسة
أو صوتاً مذاباً في ضجة أصوات أخرى،
أو رسماً لمنديل ساقط،
أو سكيناً مليئا بالشقوق (متّسخاً وغير صالح للاستخدام)
أو طابع بريد لرسالة لم تُكتب أبداً.
عاش لسنوات دون عناوين،
لم توقفه المسيرة أبداً،
يتعثّر في كل خطوة،
مفسداً القصة الحميمية
مع تلعثم ثمل
وأعذار حمقاء وبهجة تافهة.
يبدو أن قدره أن يجري مع النسيم
لكن النسيم يتوقّف الآن في شعره،
مذكِّراً إيّاه بالإقامة القصيرة تحت السماء،
بالمواعيد وبالزخم المفقود.
لكن نهاية الكون تخلو من العظمة،
فقط هبوط بائس مظلم،
خوف في العينين،
لتنهّدات تنحبس في الحلق
فيعرف أنه جبانٌ في الحقيقة.
لماذا لم يعطه أحد فلساً، عملة فضية لمراكبيّ متعب،
مقابل أن يبحر دون أن يلتفت إلى الخلف؟
"لا يوجد بيت شعر
مهما كان تافهاً
إلّا و يطمح للأعالي: لنجمة
أو لمنارة تضيء كائن
الكلمة".
— إوخينيو دي أندرادي
بدأت تتساقط الأوراق، وربّما لم تكن تسقط أبداً،
كانت القلوب ترغب في العمل من جديد،
كانت تبحث عن نعمة ثابتة محصورة،
لا تُمنح في الأماكن العامة،
نعمة صامتة.
وكان الوقت كرةً من ورق،
طريقة متعبة للقول إننا أحياء،
مسجونون في الصوت الذي كان يقول:
"انهص!"
وكانت أيادينا تسترخي في الهواء.
البحث بطيء ومحيّر ومظلم،
وحجر الفلاسفة لن يظهر.
تذبل الرغبات في فناء أشجار البرتقال.
لكن وجوهاً ودودة في بعض الأحيان، تسعف الموقف ولو لدقيقة.
الغيوم تبارك المساءات/ المساءات الصامتة.
إنه يوم طريقة بطيئة لأقول:
"أحبك"..
ثمّة حبرٌ يلطّخ الأكواع والسماء تبتعد.
وصوتٌ هامس يتردّد في الزقاق:
"يسقط المطر ويعرف اسمك.. يسقط المطر الذي داعبتك قطراته قبل موسمه".
خيانة الكلمات،
مقايضة وزنها ولونها،
في سوق الأيام الدنيء
سيملآننا بالموت
والبخور ورغبة غامضة.
سيتوجّب عقابنا
بالحديد، بالوحدة،
بالضجر والبؤس.
ندين للفجر،
لبائعي الفضَّة، للنعيم،
للنشيد، للتجديف
للحلم المعقود في حلوقنا
ولصباحات دون نسائم
في شواطئ البحر الذي لم يعد نفسه.
لأنه في النهاية نسيان
للذي يمنح الصخب لدمه،
لثرثرة "لمن تُدق الأجراس"
والمحادثات مع الحمقى
والباعة المتجوّلين
ويرتكب آثاماً في العراء
بالكلمات
الصغيرة
الفظيعة الرقيقة
والماكرة.
اجعل لهم علامةً
في الأيام الشقراء التي ترفض أن تنتهي،
في الأحلام التي لم يؤجّجها حزيران،
ادمغ جبهات أصحاب الأرقام والشرارات،
حين تتأرجح أياديهم برعونة ولا تجرؤ على قول شيء في مساء أبيض سخيف.
لتعذّبهم تلك الدمغة، ولتجلب الانتباه إليهم
فيكون للثلاثين كلمة التي منحت لهم قوّة وجدوى،
اجعل من لياليهم مرتعاً لليأس.
لا تنس أنهم كسالى،
وأن الرفاهية أسكنتهم في الممرّات المظلمة،
وأن قشور الليمون التي عضُّوها بهمجية ما زالت ملقاة على أرض الحديقة العطرة.
اغفر أخطاء السفهاء المجدية،
اعذرهم لأنهم تلعثموا عند خروجهم من البيت،
جنّبهم الوقوع في قذارة الحسد،
وامنحهم فجراً خالياً من العتب.
نتوق لنشيد مختزل بلحنٍ مزركش
نشيد لا قارب شراعي به ولا ربَّان،
بل به حقل تنيره الشمس،
وطائرة ورقية في السماء قليلة الشكوى،
كلاب تبارك المساء،
تجعله أكثر سهولة،
صاحب بيتٍ يترك للزائرين الخمور الثمينة،
كلّ القرنفل المحفوظ في قماش متّسخ، طري جداً،
حين يُخلص المزارع لعمله.
إلى مملكتهم المتواضعة، لن يصل المجامِلون،
ولن يكون في فناء بيوتهم غنيمة يقتسمونها.
إنما هو لهب لم يشتعل تحت الأصطبة،
النقاء أوسَم الأرواح،
تحمله بين شفتيها طفلة قادمة من طرف البحر الآخر.
والرمال التي تعيق السير تنجز عملها بشكل كامل،
لأنها تعرف أن حجم الأيام الميّت ضروري لشد أوتار النشيد
لجعله أعمق، نابضاً بالحياة، مشاعاً، يقيّد الرغبات التي تصمُّ الشعور،
ينيرنا في ليلة مظلمة، يكون دليلاً لخطواتنا،
راسماً طريقاً واضحاً في الغابة.
عند المسبح يمكن سماع الأغنيات التي لا تتوقّف في الإذاعة، اللقاءات السرية الليلية، المساءات اللامنتهية،
أتاحت للنشيد أن يصل إلى أسماعنا،
أن يخرج من ألسنتنا، من صدورنا، من دواخلنا،
أن يرافقنا ويداعبنا.
ماهرٌ من يعرف نوتاته،
تردُّداته الصامتة،
فهذا النشيد لا يعرف الخيانة، ولم يجرّبها،
والذين يتنزّهون قرب المياه يعرفون ماذا يحبُّ،
واليوم منحوا أنفسهم للبؤس.
إشاعة صغير تكبر، وتبدأ الحياة من دون ظلال.