

ما يصبح في عداد المفقودين
سيبقى عصيّاً على اللمس
من يحاول أن يكون فاتناً
سيسقط مدحوراً
من يريد هذه الموسيقى من جديد
عليه أن يقول وداعاً للأبد.
لن تتساءل الكلمات
عن الوقت الذي تمضيه ذبابة
في الدوران حول المصباح،
لن يكون هناك متّسع.
من هنا
مرَّ الوقتُ متلفعاً بردائه دون رجوع.
لا الدموع
التي تتخثَّر كزئبق
ولا السندان اللاهب
الذي يُشعل أعماقهم
لا الكيلومترات المليئة بالعوسج
التي جرحت كواحلهم
ولا المطر المتواصل
الذي استقبل أقدامهم في العراء.
لا شيء، لا شيء من ذلك، لا الأسابيع ولا الرمال
ولا الأجيال المتعاقبة
استطاعوا أن يمسحوا من أجسادنا
عبق ياسمين كانوا من زمن بعيد
قد أحضروه من الجنة.
لا متعة في الحياة تضاهي ملاحقتك، يا كاتيا!
في مساءات السبت وأنت تقرأين لوحدك
كتاباً باهت الصفحات.
وكقطِّ أنغورا
تنزلقين في كل صفحة تمرِّين بها
باطنا قدميك على السجّاد،
بينما ساقاك اللذان
يصعدان
ويهبطان
ينثنيان ويتمدّدان
يطويان تنُّورتك شيئاً فشيئاً،
ميلميتراً ميليمتراً،
تنّورتك التي تخاطر بالاقتراب من زهرتك؛
لخليجك السرِّيِّ، لترياقك السحري.
إلى خوان فيليبي روبليذو
بعد ثلاثة أيّام ماطرة
أشفقت الشمس على المدينة.
وعلى الفور، امتلأت الشوارع بقمصان وبلايز وتنانير بكل الألوان،
ومن المقاهي القديمة، خرجت من السيديات أغاني الحبّ الصاخبة بأصوات مرتفعة ومنخفضة.
مذهولاً من جمال الظهيرة الفوضوي
تجاوزت الكنيسة بمائتي متر بصحبة امرأة ثمانينية
في ملابس بيضاء
- بيضاء وبهيّة، كما تقول الأغنية،
حذاؤها بكعب عالٍ وقفَّازتاها من حرير
يتلاءمان مع ردائها الذي حفظته حبّات النفتالين.
كان للقطع المعلّقة بإسوارتها الذهبية
رنينٌ مغناج،
تضحك مع نفسها
تبوح بسرّ مبهج
يمكن تخمينه من تجاعيدها
المدفونة تحت مساحيق التجميل
والبارفانات والبودرة المعطّرة.
قبَّعةٌ من أوائل القرن تحميها
من الشمس المهيمنة،
وتخفف القلق البادي في عينين
تظهر فيهما آلاف الحفلات التي حضرتها
وربما التي نظّمتها
خلال حياتها الطويلة.
في هذا الشارع حيث يُحتفى بالشمس
تلاقت عيوننا المتشابهة في الزرقة،
وأنا أحثُّ الخطى لأصل بسرعة إلى الفندق،
حزيناً أفكّر بشكوكي وديوني، وهي تحثُّ الخطى للوصول بسرعة للكاتدرائية،
سعيدةً كأنما تمشي - ربّما - لموعد زفافها النهائي
والأخير.
وما وصولكِ حتى ذلك اليوم وتلك الساعة،
بيضاء يكسوك النور،
إلى عمرٍ لا يكون الموت فيه مفاجئاً،
إلّا لأعلم
باتجاه معاكس ومصائر متضاربة
أن كلَّ شيءٍ يصل للحظته المستحقة،
أو كما يقول مثلٌ لا بدّ أنَّك تردّدينه؛
كلَّ لعبة طويلة يتبعها انتقام
أيها الشاب.
ممسكة مقبض مظلَّتك بحنان
رأيتك تبتعدين، تُبعدين الحَمام،
عن الأجراس،
متجبِّرة وهادئة، يلفّك بريق إيمانك
مثل طفلة تدخل
الكنيسة حاملة بفخر شجرة أزاليا بيضاء
في يوم قدّاسها الأول.
على عتبة مركز تجاري متواضع
يقع في شارع مزدحم
تصله من بعيد ضوضاء الشوارع، ثمة هيكل خشبي غريب يبلغ ارتفاعه 50 وطوله 30 وعرضه 21 سم تقريباً.
من الممكن أن تكون عربة متجوّلة لبيع الساعات،
أو مكاناً للمراهنات الممنوعة،
قفص عصفور توكان
وربما صندوق ساحر تحت خيمة سيرك ملوّنة
سيعبرها بزوج من السيوف،
دون أن يخلف نقطة دم، بل شيئاً آخر.
لو نظرتم بعناية، ستلاحظون أن أطرافه الخمسة المتاحة مشغولة بالكتب، واحد على الطرف وواحد فوق الآخر،
ملتصقة كما الرخويات على عارضة القارب،
مجبِرةً صاحبها على التدخل.
الحارس الليلي، ينسى أن توليفةً من جميع القرون والأجناس تختبئ هناك،
محتفظاً بالدهشة، يضيء بمصباحه الكلمات المخطوطة مرة تلو أخرى في إحدى جداول المكتبة ويردِّد بصوت مرتفع -كما لو أنّه لا يصدّق نفسه كما لو أنها مزحة- اسم هذا الهيكل الخشبي الغريب الذي رآه على مدخل مركز تجاري متواضع.
وُلد في كوكوتا سنة 1963، درس تاريخ الفن في جامعة كومبلوتنسي-مدريد. من أعماله: "قصائد مقبرة جماعية" (1984، 1985، 2005)، و"تقرير عن حالة القطارات في محطة الملذَّات القديمة" (1991)، و"التباس ترسمه المؤسسات"، و"زجاجة ورقية" (1999،2005)، مختارات خاصَّة (2003)، إاضفة إلى أنطولوجيا شعرية بعنوان "ليس كل شيء لك، أيها النسيان" (بوغوتا، 2007).