غدير أبو سنينة → العودة إلى النصوص المترجمة
رولاندو قطّان
نصوص مترجمة · شعر

رولاندو قطّان

الهندوراس

ابتداءً

تجاهَل أنابيب المياه ومفتاح العدّة،

ركِّز في المياه.

تخيَّل أن خيط المياه المسكوب

لا نهائي.

استمع للأسئلة وهي تنزلق.

الإجابات لا توجد في دواوين الشعر.

في الدفاع عن نركسوس

إذا عبرتَ المرآة

فستغلي المياه التي تحرّك الآذان

خوسيه ليسما ليما

في الزهرة

يولدُ من جديد

العارفُ نفسَهُ.

هي نعمة الآلهة

أن تهديك للفراشات لا للدود.

في البحيرة

تقمّص ناركسيوس المطر

تحدّث مع الدم والدموع

عن عصارات تغذّي الوحوش.

انعكاسه الزائل نبوءة

يده تبلغ أعماق المياه

تلتقط أبجدية الأسماك

وأول مخطوطٍ سرّيٍّ.

اجتهدت الآلهة في صقل المعادن

القصدير والنحاس

لنضل طريقنا بين المرايا،

وتتحطّم البحيرة

فتصل شظاياها المبعثرة

حوض الاستحمام

فنسيلُ عبر الأنابيب

لم تعد تولد الزهور

على حواف المقابر،

ولم يعد بإمكاننا

أن نولد في زهرة.

Dress code (في تيغوسيغالبا)

ليست فردوساَ،

علينا أن نبنيَ نوافذ في صدورنا

لتمرّ منها الطلقات

بحرية.

ضع قلبك في جيبك

كي تضلّل الرصاصة الهوجاء.

اختبأ خلف باب مفتوح أو جدار،

استعر قبعة ساحرٍ

واسخر من الموت المبكّر.

تمختر كطاووس حقيقي

ولا تنظر نحو الطلقة التي تتبعك.

اختبأ في صفحات كتاب

واقرأ الإنسان دون توقّف..

تعرَّ فقط..

في المتر المربّع

لحوض الاستحمام.

صورة كافكا

مرتدياً قفّازين

كان كافكا يكتب

تقاريره الأمنية

وبيدين عاريتين

الحِكم والروايات.

كان عليه أن يغسل يديه

حتى المرفقين

لأن من رأى الضجر

تمتلأ عيناه

بالقذى.

ختم بوتسوانا

في عمق المشهد في بوتسوانا

الأسود تعِدّ وليمة من زرافة

جثّتها ممدّدة

كعضوٌ مبتور من الصحراء.

لبؤة تخفي أحشاءها

تداري على نتانة الجشع

الزرافة النافقة، بلون التراب

قلبها مدفون في السهوب،

تقتات عليها الوحوش لبعض الوقت.

حينما أغلق صنبور مياه الاستحمام

تصبح بشريتي زرافة

هل من نهاية أخرى؟

في متر مربع من حوض الاستحمام

حوض الاستحمام مملكة لا متناهية، أمن ذاتي تتهيأ فيه العاصفة أو الظلال. أغسل خطواتي لأصل الميناء. كان هناك نسيان كثير، ولدغة هذا الحيوان اللامرئي. على حافة الصمت، يؤخرني القلق، الصخور محاصرة في الفضاء الحميمي. أبقى وحيداً مع المياه. منكمشاً من البؤس الذي يطوّق الناحية.

ومثل المياه تنسكب زفرتي

سفر أيوب

أن تتظاهر أنك لا تسمع صوت المياه المتسربة من بيتك.

أن الحب لا يعود في مياه المطر.

أنه لا يمكن القول إن الحقيقة تحطّمت.

أن تتظاهر كي لا تواجه محاكم التفتيش في مرآة هذه النافورة، رغم أن الغوغاء تطلُّ علي من الضباب المنعكس.

"الموت فقط يعرف الطريق إلى البيت"

لويس كاردوسا وأراغون

الرماد المفقود. الزمن الدائر. الحياة التي تمضي صامتة. عليَّ البدء من هنا، لكنني لم أعرف عن جهنم ولا عن صورةٍ خرساء في قدمي. كأنني ذئبة عمياء، افتراض مجهول في العالم. في كل صنبور مفتوح تظهر سقالات لجسدي، تابوت يخمّن مكانه. الماء أيضاً يعرف طريقه للبيت.

أن تشعر بتدفّق الحياة مع القرف، وألّا يكون لديك ما نخسر. أن تكون فاقداً للذاكرة. أن تمرّ من بعيد، المرأة التي ظنّت أن السعادة موجودة عند العتبات القريبة. سقط الشِّعرُ كدلو مياهٍ باردة على الكائنات، مثل جرحٍ ينزف بشفافية. كنت أنوي أن أنظِّف المرآة، لكنني وخلال المحاولة، مسحتُ وجهي.

تأثير كوريورليس

"ثلاث خطوات متخيّلة لنيوتن في متحف إنتينيان"

على حدود كيتو

تتجمع ثلاث بتلات في قُمع

يفتن الجنوب مسيرة الزمان

قلبي يمسّدُ جسدي.

أسير متراً واحداً نحو الشمال

فأرى دوّامات تسبق الساعات

دوائرها المركزّة

تنيمني مغناطيسياً

قواقع المياه ستصل قبري

في الإكوادور،

المياه

مصلٌ أسفل سرير المريض،

لا دوامات. العطش يلتهم الأرض.

يجدر بنا أن نعلم ما سيحدث

وإن كان ذلك التهديد

يتقاطر على الرأس

من قصيدة.

ثقوب سوداء

"من غيَّر لي الخطوات التي تحملني في شارع ذي وجوه مجهولة؟"

إوخينيو مونتيخو

أعود للساحة

دائرة من الحمام تشكّل ثقباَ أسود،

ربما لهذا السبب

تبدو لي الموسيقى الصادحة من سماعات المقاهي

غريبة.

في المكان المفضّل للعاشقين

بعض المسنين يشتكون من الحكومة.

النافورة تصدر أصواتاً ناشزة

لا أعرف حفيف الأشجار

وقد تغيرت أصوات المقاعد،

لم تكن توجد هذه المنتجات التي ينادي عليها

بائعو الساحة.

في ثقوب الزمن هذه تستنزف المياه

يتغيّر هديل الحمام

صمتي فقط

يحيا.

دموع سلمان

"كلُّ زهرة تساوي جرحاً"

لويس دي غونغورا وأرغوتي

مثل أجراس معلّقة بالشمس،

محكوم عليها بمشاهدة النمل لا النجوم،

كانت تزهر وتنتشر في الفناء

دموع سلمان.

بقليل من الكلمات اعتنت بها أمي،

تهمس للزهر وتلهث بتعويذة

وتملّح قطرات الندى.

فجأة أصبحت في مدينتي

"ستظلّ المدينة في داخلك إلى الأبد"

كونستانتينوس كافافيس

بدّلوا اسمي في الصين البعيدة

تشابه عليهم مع تيغوسيغالبا*.

مدينة جريحة،

كتب عليها مرافقتي إلى هذا المكان.

إذا تجاوز الأمر الآن النبوءة اليونانية،

أسائل نفسي:

هل تُفضّل المُدنُ المواجهةَ

أم يهربن وحسب

من الرصاصة الطائشة بالغة الدقة؟

هل ستحلم مدينتي ببلد آخر،

لا يمشي فيه أحد

بدمعة تسبق

الأكُفّ المتشابكة؟

في تحوّلها

ألن تبحث - مدينتي - عن لغة؟

ماذا سيحدث إذا المدينةُ غادرت؟

(تيغوسيغالبا: عاصمة هوندوراس، حيث يعيش الشاعر/ المترجم)

تخيُّل دفن البيت

"تلك الحجرة التي، قد، تنظر إليها

هي الذكرى الوحيدة الحية عن ساكن فريد"

فرانسيسكو برينيس

من عزلة الجدران

أتخيّل البيت مهجوراً.

طبقة هشة من الغبار

تسقط فوق الأيام، مشهد جنائزيّ

بلا عائلة:

تُبعث من أثر قدمك

- سخونة عارية فوق فخّار بارد -

لاحقاً يُدفن اللمس

حتى تنوب رياح هادئة ودؤوبة

عن دور حفّار القبور.

الجدران شاهدة على

خطوات العناكب الكئيبة،

وفي طوبها تبقى

المناقشات والروتين والعادات.

أغاني البوليرو التي طالما أغرمت بهما

تنتحب فوق البقع الغارقة في الرطوبة

وتُذكِّر أن عُمّال القِصارة والدّهان

هم خدم الموت الأوفياء.

الجدران يحطّمها الزمن،

وفي حطامها ستجدونني.

لغة الآلهة القديمة

"بين الحدائق الشاسعة بلا شفق"

لويس سيرنودا

في سوق الفواكه النادرة،

استمتع بتلك الروائح الفردوسية..

لغة الآلهة القديمة.

تتخفّي بين الرائحة النفاذة

لحيوان هزمه الموت،

لغة تخاطب الشم بسرّيّة.

لغة الآلهة القديمة.

بين الحدائق الشاسعة بلا شفق

حيث يسكن صقيعي أيضا

لا أذكر سوى رائحة

كفّكِ يحتضن قبلتنا.

لغة الآلهة القديمة

وصانعي عطور شانيل.

كل 14 يوما تموت لغة

"بين أول لقاء وأول رسالة

لا يمرّ دهر،

هي ببساطة عدة أيام أو أسابيع".

فيسوافا شيمبورسكا

كم كانت حزينة فيسوافا شيمبورسكا

علي الأبدية بين الرسالة واللقاء.

زمن آخر يولد

بين كل من حالتي النوستالجيا.

يا لنفاذ بصيرة الشاعرة!

الرسائل كانت تطيل الأسابيع.

من يكتب الرسائل الآن؟

فهدٌ سريع الصيد هو الزمن،

سريع بما يكفي كي يعاود الأسبوع أدراجه.

(ملاحظة: "كل 14 يوما تموت لغة"، كان عنواناً في جريدة الـ "الباييس" الإسبانية بتاريخ 26 ديسمبر 2016)

من ساحة صينية

(مطوية)

إلى فيكتور رودريغيث نونييث

1

ضائع وسط الصخب الصيني،

أشعر بخرس الأروكاريا* العجوز.

لا تتخلي عني أيتها اللغة القشتالية

كطائر طنّان أعزل وسط الساحة،

في سقف فمي يَحكمُ

غبارٌ وحطامٌ من بابل.

2

"لا يوجد عوائق

في الأفق"

لي باي

ذكرى الشاعر

تكسر حائط اللغات الأجنبية،

الشعر

يدخل ذاكرتي كالقارب،

ويطير الطائر الطنّان.

(الأروكاريا: شجرة دائمة الخضرة من فصيلة الصنوبريات/المترجم)

البجعات السود تعيش في أستراليا

"طائر نادر على الأرض يشبه البجعة"

خوبينال

أبحرتُ

وبعينين قديمتين اكتشفت

البجعات السود في أستراليا.

التخوم الضبابية

كُشف عنها بالرحلة:

لقرون مثّل "الطائر النادر"

الاسم الحقيقي لما لا تطاوله الأيدي

المرايا في البحيرة تناست

عبارة الأب المكررة:

- لا تبن قلاعاً في الهواء -

من جديد، أحلم بالحب

العمود الفقري للمستحيل،

حيّاً في مياه البحيرات الأسترالية.

(الجمل بين علامتي التنصيص في هذه القصيدة جاءت باللغة اللاتينية في النص الأصلي/ المترجم)

تصحيح خطأ مطبعي

عثماني ولغته منفرطة.

انعكاس القمر على سطح المياه،

ذاك المقطع الواحد المُلحّن الكامل

- وكل هذا في مصطلح!-

في الكلمة التركيّة ياكاموز.

أيّ شيء حلّ بنا!

نسينا جذورنا اللاتينية واليونانية،

القصائد الممتدة ثلاثية المقاطع.

هيا، تعلّمي بعض اللاتينية

اقرأي صفحات كوروميناس،

حتى إذا رأيتِ وسط كتابتي

كلمة "سأتذكرك"

فعليك أن تقرأيها:

تمُرّ عبر قلبي من جديد

القُبل والمطر في الفِناء.

(yakamoz كلمة تركية تعني انعكاس القمر علي سطح المياه، ويُدلل بها البعض على فصاحة اللغة التركية/ المترجم).

"أمام قبر تلفّه الزهور"

(سيزار بايّيخو)

ذكراكِ تُزيّنُ رأسي

كزهور فوق قبور منسية.

نلتقي على شكل أشجار

حينما خرج من فلسطين، كان يودُّ أن يرى في هذه الأرض، شجرة الأناناس.

كان يتخيّلها شجرة مورقة، كتلك التي خلقها الرب في الجنة.

هجر أرضه على أمل

جديد لم يجده.

في هذه القصيدة،

سيكون لجدّي أن يجمع ثمار الأناناس من قمم الأشجار.

لأنه في القصيدة، حتّى ثمار الأناناس تُزهر من أشجار غير موجودة

والفاكهة القديمة والموطن الأصلي.

مع هذا،

فإنّ ما أريده أن ينبت هنا ليس شجرة، بل الأمل أن ثمّة مكانا تنمو فيه

أشجار الأناناس.

رحل عن فلسطين

بحماسة الرجال الذين يبحرون في الأرض.

عرف أنهاراً وجبالاً وطيوراً

تعمدوا بلغته.

بإصبعه، الذي يماثل الرب، قال وهو يشير للأفق:

البيت، هو القرب من البحر

ليس مهمّا إن كانت مياه البحر المتوسط أو الأطلنطي.

المهم هو الريح.

الريح

التي تجلب الأغاني.

في بيت الحياة،

ما يهمّ هي النوافذ، بالكاد تفتح عينيك على الحديقة فتقفز رسائل الحب كالأرانب، كمنجاتٌ تطير أسراباً، بيانوهات منحنية أمام الجداول، أشجار أناناس راسخة في الأفق: في غرفتي الصغيرة، في مأواي الصغير، ثمة حجرة تعلّمت كيف تبقي أعينها مفتوحة، لأن النوافذ لا تنفد أبداً.

جاء جدّي من بلد غير موجود،

ليبحث عن شجرة غير موجودة.

هو أيضاً لم يعد موجوداً.

يا إلهي، اصنع لجدّي شجرة

وازرعها في أرض

وأطلق عليها

اسم

فلسطين.

الفضاء،

في الطبقة الثانية. سربُ طيورٍ مستدير

يشوّه الأفق.

مدركين كنه الشيخوخة، يبدؤون بالرفرفة ولا ينتهون.

مواسم سوداءُ تحوم:

إنها قصص الحب التي التهمها زحل.

تَبتلُّ الأشياء وتتسمّم في النهر الأسطوري،

الأجداد ينسون اللغة الجديدة ويعودون لمفردات الطفولة، للمربّى المنتظر عند ساعات الموت الجائع.

يردّدون القصص ذاتها كل مرة كي لا ينسوها.

كي لا ينساها أحد.

لأن الموت يصل حينما تضيع الذكرى الأخيرة.

إنها الصدفة التي تنير الطريق

ومضة ضوء سيارة عابرة،

أو المصابيح التي تشتعل من وقت لآخر.

أسير وأفكر بالعائلة

وأن ذاكرة العائلة تمتلئ بالومضات بالطريقة ذاتها،

كي تصير جزءاً من الحياة

كأضواء السيارات التي تعبر الطرقات المعتمة.

دفن جدّي بأسنانه نوتة مبهمة على طرف الغليون.

لاحِظ أبعاد السيجارة: ثمّة نتوء في مغلّف الصورة. لا يهمّ تاريخ الصورة أو القميص المطرز. خلف نظارته تتلاشى المشاهد، ضباب نظراته يحجب العدسات. هذه ليست قبعة، إنه وجهه المتأمل كتمثال نصفيٍّ منصوب في الصالة. الحذاء، ساعة الجيب، حذاؤه، قلمه، سيرته الذاتية التي تهلهلت كتابتها. أما أنا، فعظامي ستصير غداً غباراً لا تحفظ كأساً ولا معطفاً ولا حذاء.

زرعتُ شجرة صنوبر، لكني سأقول إنها شجرة أناناس،

كاريوتاكيس علّمني أن الأشجار تظلّ واقفة

تماماً كالأزرق الذي يواجه العاصفة.

تعرف أشجار الصنوبر كيف تشيخ،

وفي هذا، فهي تُشبه الأسئلة.

لا وجود لأشجار الأناناس

لكني عرفتها

حين حدَّثني ذلك الرجل، عن الأمل.

لعلّهم يدفنونني يوماً بجانب شجرة أناناس.

وليضعوا هذه القصيدة بجانب قبري،

فالأمر سيَّان، في نهاية المطاف.

عمر الزيتون في قرية الولجة أربعة آلاف عام.

ماؤها يبلّل التاريخ ويصنع القَدَر. دمعة واحدة تكفي لإعادة الحياة للقاء جديد بين دمي وأسلافي، الذين رأتهم هذه الشجرة يجولون حولها منذ قرون وأمكنة؛

لا يهم كم سيتأخر المطر في الإبحار بالأرض، ما دام أيار سيصل لأعلى ورقة على الشجرة. بعد آلاف السنين، تلتقي العائلات على شكل أشجار.

على ضوء شمعة،

تصبح قصص العائلة

أمثالاً حقيقية.

النصوص الأدبية

ليست أكثر قوة

من القصص المقتسمة

مع أرغفة خبز العشاء.

الأشجار

تحيا

بفضل الضوء والمياه،

لا بفضل كتب

علم النباتات.

أراجع منذ سنوات صورة رجل ملتقطة منذ عام 1953.

رأيت كيف جعل الزمنُ الحبرَ يتجمَّعُ في حافَّتي عينيه، وكيف يطير الريحُ داخل الصورةِ شعرَه. يمضي الزمن كتحرّك الجبال الضخمة، وفي هذا الصمت المطبق، أنت بالكاد تشعر بالكلمات.

صديقي يعرض لي مقابلة سمعية بعنوان: محمود درويش: شاعر العالم العربي. صوته يذكرني بصورة رجل آخر، لكني أجد له صورة معتمة. أهو الزمن الملوّن بالغروب؟ أم أنه حقّاً يوجد في داخل هذا الإطار المشقوق أحدٌ ما يخلق الليل، كأنما الصورة مدينة حقيقية؟

"لماذا تركت الحصان وحيداً؟ ـ لكي يؤنس البيت،

يا ولدي ، فالبيوت تموت إذا غاب سكانها…" محمود درويش

كان آخر المهاجرين بين إخوته العشرة من بيت لحم. وكان أول من مات في المنفى. عرفتُ أن بيته كان يحتضر في فلسطين، وربما كان الشاعر قد ترك الحصان وحيداً، لأنّه خمّن أن الأحجار التي يدوس عليها، كانت بقايا جدران غرفة طفلٍ ما. فحينما تُهدم الجدران، الصمت أيضا يتحطَّم.

سافرتُ لفلسطين كي أقرّب آذاني أكثر للطرقات، وكي أستمع لصوت المياه المتدفقة حين تتحطم داخل الجدار، لكني سافرت أيضاً،

كي أُخبر أبنائي أن الوطن لا يُرسم بخطّ منغلق، وهو ليس نهراً، وليس جزيرة؛ الوطن يمتدّ في الأحجار التي تحفظ أسرار الأسلاف.

سافرت لفلسطين كي أقرّب الطريق لأذنيَّ.

أيّار على الدرّاجة

كان عمرُ أبي عشر سنوات

لمَّا ورثَ عن أبيه درَّاجة رالي رِم 28

ومبكّراً جدّاً تعلَّمَ أنَّ الموتَ والمطرَ يقتسمان الأيام

لا أعرف كم مرَّةً داست قدماه البدّالةَ كي يعثر على أبيه

ولا بأيِّ صندوقٍ كان يحتفظُ بالكلمات العربيَّة التي تعلَّمها منه صغيراً

لكنّني عرفت دوماً أنَّ ميراثه لم يكن الدرَّاجة بل الطَّريق

وهكذا وفي حين يتذكَّرُ الآخرون الجرسَ المُعلَّق على برجٍ في الرِّحلة

يتذكَّرُ هو الدُّموع في عين أبيه حين سطوا على فلسطين

وحينها سارَ في طُرقات المَنفى المُغبرَّة

هناك عثر [أبي] على جدِّي في العام 1948

كان يحفرُ الأرضَ كي تخرج له

ناياً

نشيداً

ووطناً.

الرجل الذي عاد إلى الأرض

كان يُمكن لرأسي أن يكون

صليباً

رخاماً

كان يُمكن لرأسي أن يكون

صحراء

لكنِّك تُصرّين على جعله

أجمل

كما تصرُّ الزُّهور

على تجميل القبور المنسيَّة

كان يُمكن لرأسي

أن يُدفَن في "سبون ريفر"

أن يختنق

في أي كتابٍ قديمٍ

كان يُمكنه أن يكون رأس "يورك"

أو أن يكون عدماً

لكنِّك تُصرِّين على جعله أجمل

كما تُصرُّ الزُّهور

على تجميل القبور المنسيَّة.

حيوان بلا هوية

لم تركب السفينة:

الزَّرافات

التي كانت ذات رقاب قصيرة في الأصل

وتمشي مطأطأة الرأس في الغابة اللاهثة

الأوراق الشاهقة

طيور الدودو المنقرضة

المنسية في الجزر المنعزلة في المحيط الهندي

تخلَّت عن نعمة الطيران

البجعات السوداء

التي لم يخلقها الرب

بل شاعر

كل الأسماك

الحيتان الكبيرة

والكائنات المجهرية في عين طفلة تبكي

التنين وحيد القرن والحصان الطائر

عروس البحر، وإله الريف، وحيوانات بورخيس الكروية

معظم الديناصورات

بقيت خارج القنطور

لأنها عملاقة

فقط الطيور الداجنة

والديكة والإوز والدجاج والبط

وكما يقول الكتاب المقدس: "الحمامة"

تمكنت من الدخول

لكن من كل الحيوانات التي دخلت

لم أتعرف على الحيوان

الذي يتجول داخلي.

عمى الفم

كلمةٌ واحدةٌمعلَّقةٌ في الهواءقتلت باييخو في الجمعة المُقدَّسةكلمةٌ واحدة ربَّت رامبوكسنِّ فيلٍثم تركته صامتاًكلمةٌ واحدة أزعجت رولفو كثيراًفترك الكتابةكلمةٌ واحدةحثَّت أليخاندرا بيسارنيك على الانتحاركلمةٌ واحدة تترُكُكَأعمى الفملا تُكتبولا تُقال

 

روتين

1في السَّادسة والنِّصف كان أبي يُصدر حُكمهُ:إنَّها السَّاعة الرَّماديِّة

2ساعةٌ لا تَدلُّ على الوقتتُشيرُ دوماً إلى السَّادسة والنِّصف

3ساعةٌ تشيرُ إلى السَّادسة والنِّصفلها ذراعا سجينٍ مربوطتان

4ربطة عنق لموظَّف منسدلة على الصّدرتُشبه عقارب ساعةتشير إلى السَّادسة والنَّصف

5السَّادسة والنّصففي ساعة دميةمُصوَّبٌ للقلب

6النور يهجرنا في السَّادسة والنِّصفهنا يكون الوقت دوماً السَّادسة والنِّصف

 

الوقت يمضي والفن يستوقفه

سيوضع الزَّمن الأصفر على صورتي* ميغيل إرناندسالوقت يمضي والفن يستوقفهتمثال لا هو جديد ولا هو قديم، إنَّهُ هو ببساطة* علي تشوماسيرو

للزَّمن لونٌ أصفروأنا أبحث عن الكتب والصَّوركالبحر يبحثُ عن حلزونات كي يؤوي نشيدهالشعاع الذي لا ينقطع المنشور عام 1936كتابٌ من الأوراق الصَّفراء كأوراق الخريفآخر صورة لميغيل إرناندس عام 1942عمره اليوم ستون عاماً من الاصفراركرخام دافيد دي ميغيل أنخل الأبيضإنها قصائد إليخيا البيضاء لرامون سيخيفقط ما هو أبدي أبيض

 

ثلاث صورٍ لحُبٍّ موجود

Iأعود لألف وتسعمائة وثمانية وتسعينللمدينة التي كانوا يروننا نمرُّ منهاوأجد حفراً بدل الشَّوارعغُباراً بدل المنازلفي المدينةحيث كانوا يروننا نمر مندهشينلا أحد يمكنه تغيير الماضيلكن من يختبر موتييهدم المدينة التي جُبتُها معك

IIقصَّةُ حُبٍّ مفقودتبدأ بغبار على المائدةيُنظِّفُها العاشق لاحقاًحتَّى تُصبح المائدة غباراًويمتلئُ البيتُ كلُّهُ بالغبارثمَّ ينهار البيت على العاشق

IIIللجِبال أعودولا أجد الحبَّحين أحاول تحريكها

 

شاعريّة

أدافع عن حقِّي في خلق عَدَنبزراعة أوَّلِ شجرة تُفَّاحثمَّ كل الأشجارالمانجو والماندرينا والجوافةمُجتمعةفي فضاء صغير في شرفتيأُدافع عن حقِّي بِخَلقِ زَمنٍبحقِّي بالعيش في الفردوس

 

انتماء للأرض

Iحين يلعب الأطفال بالتُّرابتغوص أذرعهم حتى الكوع

يُمكنهم حرث الأرض بأصابعهموزرع بذرة تُبقيهم على قيد الحياة

يمكنهم زراعة حجرستُبنى عليه مدينةٌ في ما بعدتُبقيهم على قيد الحياة

يُمكنهم أن يخترعوا بلداًحول الشَّجرة والحجرعليهِ أن ينقذهم

في النِّهاية ستموت الشّجرة والمدينة والبلدفأيُّ حكماء هم الأطفال الذي يلعبون بالتُّرابالشيء الوحيد الذي سيرافقنا في نهاية المطاف

IIما ينتمي للإنسانينتَمي لِماضيه

الحياةُ تتدَفَّقُكالمياه التي تترسَّبُ في الصَّخرةمن هذه النَّداوة يولدُ البُكاء أيضاً

ما ينتمي للإنسانينتمي لماضيه

كالمياهِ المُترسِّبةِ في المقابرتمرُّ الحياةالأزهار تنمو في شعور النَّداوة هذاشعور البلل الذي يخلِّفهُ الماضيهو انتماء الإنسان الوحيد

 

الصَّمتُ مُمكنٌ

الاقتراب من القصيدة والاحساس بأنفاسهاحشدُ الكونقبل أن تنطق شفاه الرَّبمُمكنٌ هو الصَّمتهكذا يزدهرُ الأقحوان في الهايكومنه تهبُّ رياح القواربالتي تبحر في العودةمُمكنٌ هو الصَّمتُفتحُ الأبواب التي ظلَّت مُغلَقةوالإقامة بملكيةالبيت الذي يقطنه أسلافُكممكنٌ هو الصَّمت

الاحساس بالطِّين المبلَّل للجسدوترك تخصيب النهاية من أجل القصيدة

 

عودة

Iفي الأحياء الجديدةعائلاتٌ جديدةتسكن بيوتاً جديدةوتلك مفارقةفالمدينةُ عادت قديمةوهي تجدِّدُ نفسها

IIذهبت لمدرسةمع السّنوات صارتمركزاً تجاريّاًفبالطَّبع تُقاس السُّنونبالمشاهد التي نهدمها.في الفناء الذي كان به شجرة أكاسيايوجد اليوم كمبيوتر

 إنريكي باريذِس 1891كان الخُبْزُ يُخْبَزُ على نارِ حطبٍ نبيلةحين مرَّ إنريكي باريذس عام 1891من أجل صورةٍ قرَّر أن تكون كذلك:إلى صديقتي اللَّطيفة ليونوركشهادة واهنةٍ على صداقتيتكلَّل إنريكي باريذس في هذا القرانوُلِدَت أم أبي: إيفانهيليناأحفظُ هذه الصُّورة أمام النِّسيانوأحياناً أقتسمها بين النَّبيذ والكلمةعاجلاً أم آجلاً، كلُّ شيءٍ يعودُ لجمال الخطِّللرسمٍ المهيَّأ والوئيد لكل حرفمهيب محترسوبنفس الحساسيَّةالتي توزّع فيها الخبز على نار الحطب النَّبيلةوهكذا كانت تُكتب إذاًوالكلمات كانت ترتديكما يرتدي نبات النيلوفر من خزانات مونيت

 

يتوسَّلُ امرأةً تسكن الماضي

تعالي كما أنتِ ولا تنشغلي بزينتكألا ترين السَّماء المُلبَّدة بالغيوم؟فالوقتُ مُتأخِّرتعالي كما أنت ولا تتلكّئي* طاغور

عودي كقاربٍ من شموع بيضاءكوردة في ذاكرةٍ بقيت عمياءكأوركيدة بيضاء تسبح في نهرعودي قبل أن تصير الجبالُ غباراً

قبل أن تعود الحيوانات التي تفترس كلَّ شيءلا تتلكَّئي أكثر لأنَّك ستعودين صورةً فوتوغرافيَّةلا تتلكَّئي أكثر لأنَّ البحرَ سيموتُ مرَّةً أُخرىلا تتلكَّئي أكثر لأنَّك ستعودين أيضا تمثالاًتعلَّمي من الورود المولودة في القبور المنسيَّةوعودي فقد تأخَّرَ الوقتُ والعاصفة على وشك الهُبوب

حدثٌ يتعلّق بالنّص

بالقليل، لكن بكتب مفيدة مجتمعة* كيفيدو

في اليد احتفظ دوماً بكتب الشعرأبعدها عن الكتب الأخرىاجعلها منعزلةحيث لا تنساهاحيث يمكنك أن تراها دوماًحتّى لو لم تقرأهاحتّى لو هجرتهاقرِّب كتب الشِّعر إليكبجانب سريركعلى رأسهبل في السّرير ذاتهلكن أبداً ليس أبعد من ذلكدوماً حيث تحدث الأحلامحيث تُغلق دون خوفٍ عينيكقرب المكان الذي تمارس فيه الحبقريباً قدر ما تستطيعحيث تمارس الحبهناك بالضّبط عليها أن تكون

 

بيتر بيليربي

بيتر بيليربي حِرفيٌّ بريطانيما زال يصنع الكرات الأرضية يدويّاًوهو واحدٌ من آخر من يمارسون هذه الصنعة.

*جريدة الباييس الإسبانيةالأول من مايو 2013

وظيفتي أيضاً عفا عليها الزمنكوظيفة ناقل الأخبارأو القناديل المنطفئةأفكِّرُ ببيتر بيليربي مرسوماًبألوان مائيَّةٍ من بحر الشّمالولذا أشعرُ بحزن بائع الكُتبوكآبةُ الرَّجُل الذي ظلَّ يعزف الأوكورديونفي الزَّواياكم مرَّةً توقَّفتُ في مقهى لقراءة كتاب؟كم ثمرةً قطفتُ من شجرة الحياة؟في فواتيري حسابات أسواق تجاريّة أكثر من مكتباتأشعر اليوم بحزن رجلٍ يرسم الثَّلج على جبال الهملاياأنا الذي أردت الذَهاب لكيرباتي وكمونتيخوأرغب بطوي الخريطة لأشاهد آيسلنداوفي النِّهاية أستعيد الإيمان بعملٍ يحسبه النَّاس ميتاً

وأن أجعل العالم أصغرأصغر كثيراً وأهدأ

لا زمانيٌّ

قصيدةٌ – أتجاهل الأسباب تماماً -يُمكنها أن تُعمِّر أكثر من حجر

في ذلك اليوم قرأتُ أنهم خلال هدمهم جداراً عمره خمسين عاماًعثروا على رسالة حبٍّ بين الأحجاربين الأحجار التي صارت غباراً

قصيدةٌ يُمكن أن تُخلَّدَأن تنجو من النِّيرانوتقفز من الحجر لورق البرديومن ورق البردي للذّاكرةكي تحمي نفسها

قصيدة يمكن أن تخلَّديبدو كذلك!

 

اليوم تَزِنُ قدماي كثيراً

اليوم تَزِنُ قدماي كثيراًففي كلِّ خطوة-مع رقبةٍ مدفونةٍ في الأرض-السَّماءُ الآن هي الأُفقُ الوحيداليوم تَزِنُ قدماي كثيراًحتَّى أنَّها بدلاً من ترك آثارتترك قبوراً

 

أقول "موت" بدل "نسيان"لا يُمكن للذّاكرة أن تثق بشيءلا بأي ذكرىولا بأكثرها معزَّةًلا شيء ينجو من الصُّدفةالتي تُطلق النَّار بكثافة

 

مطر متدرِّج

يقول لي صوتٌ متقطِّر:لا تبنِ قلاعاً في الهواء

ففي الخارج تهبُّ ريحٌ صفراءتنزع الأوراق عن أشجارها

ريحٌ ترفع زوابع صوتٍ صغيرةأصواتُ شعراء راحلينوكجرسٍمن برج أعلى ينهارصوتٌ يَتَقَطَّرُ:لا تبنِ قلاعاً في الهواء

صوت هوميروس يدفع سفينة أوديسيوسصوت باشو يزرع أقحوانفي غيمةٍ أُخرى بيضاءصوت برنارد شو يصدر حُكماً:

if you have built castles in the air…now put the foundations under them

تتتابع القطراتلكن في الخارج يبدأالمطر بالتساقط على شكل سلالم

على جانبي شخصٌ يقرأ كتاباً بلغة المندرين

على جانبي شخصٌ يقرأ كتاباً بلغة المندرين

الكلمات تسقط كالأمطار على يديه

ويداه مفتوحتان مملوءتان بالماء

كالأيدي التي تتلاعب في النّهر

الرّجل الذي بجانبي يشرب ماءً من الكتاب

وجهه مضيء كوجه قديس

أيُّ شيءٍ مكتوب هناك؟

ذاك الذي بدون قراءته

أُحسّ برطوبته

أيّ كتابٍ هذا؟

لا تهرب كلماته من الصفحات ككلماتي

أيعقل أن ما يُقرأ هناك لا يُنسى

ويعلق في الذّاكرة سنوات عدّة

كنهر يرتفع ثم يمطر.

ورذاذ الماء هذا حين يسقط على يديه

أيكون هو الشعر؟

كيريباتي

لطالما وددت الكتابة عن هذه الجزيرة

ربما قصيدة بعنوان : رحلة ساحرة إلى "كيريباتي"

لكن "كيريباتي" لم تعد المستقبل

فمنذ 2011 أصبحت المكان الأخير على هذا الكوكب

الذي يعطي ظهره للتقويم

بعد أن كان الأول

وما كنت أريده هو أن أعيش يوماً سابقاً للحياة

أن أسافر إلى "كيريباتي" يوم موتي

كي لا أموت

أن أكون أول من يقول لها أحبك

في العام الجديد

كنت أودّ السَّفر للمستقبل كي ألتقي الطّفل

الذي يعيش في الأمس

وأن أحتفظ في كيس المداعبات

بأربع وعشرين ساعة كي أفعل ما يحلو لي

لكن "كيريباتي" فجأة

قررت أن تكون الماضي

ولهذا

لم أعد أريد الذهاب

إلى "كيريباتي".

* كيريباتي أرخبيل يقع في وسط المحيط الهادئ، يتكون من 33 جزيرة مرجانية وواحدة بركانية.

رولاندو قطّان

رولاندو قطان شاعر هندوراسي من أصول فلسطينية، تعود جذور عائلته إلى مدينة بيت لحم في فلسطين. هاجرت عائلته إلى هندوراس عام 1910، وهو من الجيل الثالث لهذه العائلة. وُلد قطان في تيغوسيغالبا عام 1979، وظل على صلة وثيقة بجذوره الفلسطينية وذاكرتها، التي حضرت في وعيه وتجربته الشعرية.

بدأ قطان كتابة الشعر في سن مبكرة، وأصدر مجموعته الشعرية الأولى وهو في العشرين من عمره. ومن أبرز أعماله: "خزانة الفضول") الصادرة عن دار لا غاروا عام 2020، و"البجع الأسود" عن دار فيسور للكتب عام 2021، و"حيث أرغب في العودة" عن دار سيسنه نيغرو عام 2023، "التيه في الجبل" عن دار إل أنخيل إديتور عام 2024، و"غياب الملاك" عن دار فيسور للكتب عام 2025.

حصل قطان على جائزة كاسا دي أميركا للشعر الأمريكي، كما نال الجائزة الوطنية رامون روسا للآداب، إلى جانب عدد من التكريمات الأدبية الأخرى.

ينتمي قطان إلى جيل من الشعراء الذين تتقاطع في تجربتهم أسئلة الذاكرة والهوية والمنفى والرحلة. وتظل فلسطين حاضرة في وعيه من خلال تاريخ عائلته وذاكرة أجداده ورحلتهم إلى أمريكا الوسطى. وقد وصفه الشاعر باسم المرعبي بأنه «شاعر مسكون بالشعر والأدب منذ طفولته».

يعيش رولاندو قطان في تيغوسيغالبا، هندوراس.