غدير أبو سنينة → العودة إلى الشعر
راؤول سوريتا
نصوص مترجمة · شعر

راؤول سوريتا

تشيلي
قمع مسيرة مناهضة للتعذيب في سانتياغو، أيلول 1987
قمع مسيرة مناهِضة للتعذيب · سانتياغو، أيلول/سبتمبر 1987 · Wikimedia Commons

نشيدُ حُبِّه المفقود

كتب الشاعر التشيلي راؤول سوريتا هذه القصيدة قبل عودة الديمقراطية إلى بلاده بست سنوات تقريباً، وهي مُهداة إلى المفقودين خلال تلك الفترة والذين تجاوز عددهم الآلاف ليس في تشيلي فقط، بل في بلدان أخرى من أميركا اللاتينية كالأرجنتين التي اكتوت بلهيب الحكم العسكري أيضاً؛ حيث مورست في تلك الفترة أبشع مظاهر انتهاك حقوق الإنسان، وطورد المثقفون، وشرّدوا ونفوا، أما المفقودون فقد كانت الدولة تمحو كل آثارهم، جثثهم، أوراقهم الثبوتية، وكل ما يدل عليهم فتتضاعف مأساة ذويهم ليس لمجرد موت قريبهم، بل حتى لعدم استطاعتهم الحصول على جثته كي يتيقنوا من مقتله.

القصيدة بعنوان "نشيد حبّه المفقود"، قد تكون موجهة لامرأة بعينها فُقدت خلال تلك الفترة أو للحب المفقود ذاته؛ فالقصيدة تمثل لحناً جنائزياً لأولئك المفقودين الذين لم يُعثر على جثثهم، إذن غياب الجثة يعني عدم وجود قبر، وبالتالي تُلغى الطقوس الجنائزية المعتادة في تلك المناسبات، لتنشد الجموع المفجوعة ذلك اللحن الجنائزي.

هي قصيدة طويلة تتميز فيها ثلاثة أصوات تلتقي في نهاية المطاف؛ صوت شاهد لأحد المُعذَّبين، يسجل الأحداث بنبرة مذهولة عامية، أُخروية لاهوتية مع تشويش واضح في جنس الصوت. والصوت الآخر حميمي يتحدث عن حبيبة مفقودة يعشقها لكنها ستكون ميتة فيما بعد. والصوت الثالث هو المنشد نفسه.

— للبايسا
— لأمهات بلاسا دي مايو
— لعائلات المفقودين
— لعذابات العالم، لحمائم الحب، للبلاد التشيلية والمجرمين

أنشدتُ، أنشدتُ حُبّاً، بوجهٍ مغسولٍ أنشدت حُبّاً وابتسمَ لي الشُّبّان. أنشدتُ بصوتٍ أعلى، وضعتُ الوَلَهَ والحلم والدمع. أنشدتُ أنشودة الأقبية الإسمنتية القديمة. عشرات من الفسقيات ارتصت فوق بعضها وملأتها. في كل فسقيّة بلد، البلاد كأنها أطفال، الأطفال أموات. كلهم هنا يرقدون، البلاد السوداء، أفريقيا وأميركا الجنوبية. ومن حبّي له أنشدت الأسى. آلاف من الصلبان كانت تملأ الحقل حتى نهايته. هكذا أنشدتُ معشوقته الكاملة. أنشدتُ الحب:

— نعم، نعم، آلاف من الصلبان كانت تملأ الحقل حتى النهاية.

— وصلتُ من الأماكن الأكثر بعداً، مع أطنان من البيرة في جوفي ورغبات في الاستفراغ.

— هكذا وصلتُ إلى الأقبية القديمة تحديداً.

— من قريبٍ كانت ثكنات مستطيلة، بزجاج مهشم ورائحة بول، ومني، دم ومخاط يشق الهواء.

— رأيتُ أناساً شُعثاً، رجالاً نخرهم الجدري وآلافاً من الصلبان في الثلاجة، آه نعم، آه نعم.

— ذهبتُ إلى كل هؤلاء الأعمام الفاسدين واحتججت.

— كل شيء كان قد مُسح عدا الأقبية الملعونة.

— ملكٌ شرير، من خاصرتي أراد أن يشدني، لكنني وضعتُ على العشبِ رقم حارسي الأيماريِّ فهرب.

— وبعدها، عصبوا عيني. رأيتُ العذراء، رأيت المسيح، رأيت أمي تسلخ جلدي حتى الموت.

— في العتمة بحثتُ عنكِ، لكنّ الفتيةَ الوسيمين معصوبي الأعين، لا يرون شيئاً.

— رأيتُ العذراء، الشيطان، والسيد "ك".

— كلُّ شيءٍ كان جافّاً أمام الفسقيات الإسمنتيّة.

— قال المُلازم "لنذهب"، لكنني بحثتُ وبكيتُ من أجل فتاي.

— آه يا حُبي

— اللعنة، قال الملازم، سنذهب لنلوِّن قليلاً.

— ابنتي ماتت، مات ابني، اختفى الجميع.

مقفرين من الحب.

حمَّلونا الجير والأحجار، لوهلة، خشيت أنهم أذوكِ. آه يا حبّي عندما شعرت بأول صخب تعلّقتُ بكِ أكثر. نعم، بالطبع كان هناك شيء ما. شعرت بالحجارة تهرسك، واعتقدت أنك ستبكين، لكن لا. الحب هو الأمور التي تحدث. حبّنا الميت لا يحدث.

هو عذب ولا. كانت الطقطقة الأخيرة ولم تكن هناك حاجة للحراك. كل شيء يتحرك الآن. حدقتاك ساكنتان، لكن أربع عيون مفتوحة بشكل لا نهائي ترى أكثر مما تراه عينان اثنتان. ولهذا رأينا بعضنا. ولهذا تحدثنا، وأسندتُ ظهري إلى ظهرك. وحتى لو لم يشاهد أحد ذلك، فقد خطر لي أن هذا قد يكون أمراً جيداً، بل إنه جيد.. ربما.

انهرت قربك، خلتُ أنني أنا من يرميني. أتخيل أن العشب سينمو. في الحقيقة اعتقدت أنني أحب الأحجار أكثر، لا، بل العشب. اعتقدتُ أنك أنت أنت وأنني أنا. وأنه وإن كنتُ ما زلتُ على قيد الحياة، فإنني حين أرحل نحوك، أمر ما يُكذّبني. كانت لحظة واحدة فقط، طويتَ بعدها نفسك أنت أيضاً، فيما حبّنا يزداد كالقتل. الآن سقط الجميع ما عدا نحن الساقطين. الآن الكون كله أنت وأنا عدا أنا وأنت. إثر الضربات، ذهبنا، تزحزحنا قليلاً وشعرتَ باقترابي وأنا مهشمة. لن يعرف أحد القدر، لأنك أنت من أبحث عنه، من أعتني به. بكاءة منك، لربما نصبح يوماً شيئاً واحداً. الآن أدركت ذلك لكن لم يعد يهم.

— أواه، انهيارات جليدية كبرى تقترب، انهيارات جليدية كبرى فوق أسقف حبنا.

— آه يا ذات الصوت الأجش، صاح حبيبي، الديناصورات تستيقظ، طائرات الهيلوكبتر تهبط وتهبط.

— حيث تستلقي الأقبية القديمة، الجدران عالية جدّاً بأبراج تلفزيونية.

— كان بإمكانك الظهور على الشاشات، نعم يا حبيبي.

— في حلمي أشعل زرّ التشغيل وهناك تظهر بالأبيض والأسود.

— أقول: هذا هو الفتى الذي حلمت به، هذا هو الفتى الذي حلمت به.

— عندما أنهض، أرى فقط جرحى في فناء طويل وجلود بشعر كثيف معلق بهوائيات الإرسال.

— اسمعوا يا أصدقاء - صرخت - هذه أزمنة مرَّت، سخروا مني.

— تركوا علامات على أجساد الرجال وبالحراب قصوا شعرهم.

— هل تدخن الماريغوانا؟ هل تتعاطى النيوبرين؟ أي خراء تدخن أيها الأحمر المقزز؟

— لكنهم جميلون، مع هذا فأنا أستمتع برؤيتهم، أبلل سريري وأدخن.

— أقع في هواهم، أصبح ملكة نفسي وأتزين كليّاً. أعود إلى الدموع وأحييهم،

— لكنهم حلموا جميعا اليوم بحلم الموت، آه نعم أيها الفتى الوسيم. انهيارات جليدية آتية كي تحمل بقايا حبنا.

— انهيارات جليدية آتية كي تبتلع منافذ حبنا.

— النيجيريات أمام بعضهن بعضاً.

— من بعيد يبدون كالكتل.

— رأيت كل شيء بينما كانوا يضربونني بعنف، لكنني التفت، ولم يستطع حارسي أن يوقفني.

— هناك عرفتُ الألوان ورأيت الرب الحقيقي يصيح داخل الأقبية الباردة، ينبح داخل أشباح الأقبية،

— بغلةٌ تشيلية -كانت تشتمني أمي- سيأتي أيضاً أجلك.

— تلفّتُّ نحو أماكن كثيرة ولم أر أجدادي يخرجون من هناك.

— هم كالإله.

— لكنهم لا يعرفون أن جروَهُ يحتضر من الموت ومن الضربات في الأقبية العتيقة.

— الآن يبحث عني مسنّون مساكين يرتعشون برداً.

— يحبّلوننا ببصاق غليظ، معاً، شباباً وشيوخاً.

— انفجرنا.

— نعم يا حبيبي، انفجرنا

— الجيل الجنوب أميركي يغني الفولكلور، يرقص الروك، لكن الجميع يموت معصوب العينين في رحم الأقبية.

— في كل فسقيَّةٍ بلد، إنها هناك، البلاد الجنوب أميركية.

— انهيارات جليدية كبرى جاءت تجرفها.

— انهيارات بيضاء، نعم يا أخي، تبلغ الأسقف.

— مات ابني، ماتت ابنتي، اختفى الجميع.

مقفرين من الحب.

هكذا بكيتُ وغنيت. بينما تنبح الكلاب وهي تلاحق الرجال والحراسُ يحاصرونهم. بكيت بشدة أكثر بينما كانت الأجساد تتساقط. بكيت النشيد بالأبيض والأسود، نشيد حبه المفقود. بكيت كل قنوطي. والعشب ينمو ليصل النيجيريات. رجال البايسا قلت له، خذ؛ خذ وجعي فانطفأ. أنشدنا الحنين للبلاد وللبلد التشيلي. كان موكباً دينياً وحُكماً، عبرنا الفسقيات الأخرى، وأمام فسقية بلادنا، انفجر المزمور. كل الألم. كل المزمور وقع إذاً على حبه الذي لم يكن. من الحنين أنشد لهم، للبلاد الميتة قلت لا، لم تعد تؤلم.

البلاد ماتت. قبوٌ يدعى أميركا الجنوبية وآخر يُدعى أفريقيا. قلت وأنا أتفتح، العذاب من منحني بصري. أنشدنا التراتيل. كان نجمي سيّئ، لكنني أنشدت لحبي الذي كاد يرحل. كلهم مدنيُّون قلتُ باكياً: لقد ذهب، رحل، وأنا لا أتألم ولست لا أتألم. عالمية الدول الميتة نمت وارتفعت ووضعت حبي. الحب كله بايسا، كل بكائي جمعته وعندها فقط، ظهر جنرال البلاد الميتة. هكذا نزفت أنا الجريحة، وبمغادرتي احمرَّ لون النشيد لحبي المفقود. كل الرسائل كانت تنفتح كحفر، ويبدأ الصراخ، أما البلاد فقلت لا. لم تعد تؤلم.

— أُنشدُ، أنشد لحبه المفقود.

— أنشدُ، أنشد لحبه المفقود.

— نعم يا فتاتي الحلوة، يا فتاي الوسيم، أنت كرامتي، أليس كذلك؟

— كل أسماء أوطاني الأم تنتمي لحبيبي، إنه عاشقي والهائم بي. آه نعم، آه نعم.

— كلهم هنا يَطفون على الفسقيات.

— كل رجالي محطمين، هذه كرامة لي، أليس كذلك؟

— أنقع نفسي كثيراً وأقول أحبك.

— أنشد، آه نعم، أنشد لحبه المفقود.

— أنشد، آه نعم، أنشد لحبه المفقود.

الأرجنتين، الأوروغواي من البلاد التشيلية ومن حبي المفقود. بسلالم يمكن الصعود من بلد لآخر. بمصاعد كهربائية يمكن الصعود أو بطائرات حبيبي الذي يُنزل أيضاً الظلال وأحياناً يصعد. هناك مشينا أنا وأنت، هناك مشينا، بين الفسقيات أنت وأنا كم تكلمنا: هل أكلتني؟ لأنه كان لديك جوع تشيلي، أأكلتني؟

أحببتك، أحببتك كثيراً، يقول، فيصفرَّ كل الليل الأسود، وأنا أمسكتكَ بين يدي فرأيتَهُ. إنه أمر يخص الأموات فقط. نعم، إنه أمر يخص الأموات فقط، أن يروا كل رسالة تنفتح كفسقية. رسائل أصغر فأصغر، يقول، قبور حب راحل، يقول. وأنا أمسكتك بين يدي فرأيته. بلدان راحلة يقول.

ألم تتوجعي، زهور البلاد المركزية تغيرت وأنا من كان يحتضر. على جانبك مت ووضعوني في الأعلى كالبلاد الأرجنتينية الواقعة فوق تشيلي. كلهم يصعدون فوق بعضهم بعضاً. فسقيات أقبية أميركا الجنوبية، الذين يُسمَّون بالأموات. أماتونا -قلت- من الألم وتسموا بالموت.

من الحب المفقود أيضاً تسمى البلاد. محاطين بالجدران يستلقون مثلنا. ذبحوا الأطفال لكن البلاد بقيت. نحن هم، زعمت، وكان ذلك صعباً. بعضهم يوصف ببلاد الجوع. أو بالأحرى الولايات المتحدة في الفسقية الأفريقية، أقول. أبعد من ذلك الآخرون. حبيبتي، نحن الآكلون بعضنا.

النهاية: وبعد ذلك، مشتعلةً بالحب، غنَّت لك فتاتك هناك. كانت أكثر عمقاً؛ أكثر عمقاً من الحفر السوداء، من الصيحات، من الكابوس. هناك تروي لك المرأة العاشقة القصة؛ إنه وصف، خرائط وبلاد مفجوعة، لكن فتاتك بكاملها أنشدت هنا. فاصل. صحراء حبك. فاصل. وماذا بعد:

نشيدُ الأنهار الأوَّل

إنّهُ الحبُّ.. هذا هو الحبُّ

بل هذا هو الحبُّ..

إيه.. هذا هو الحبُّ الذي بكيْناهُ كثيراً

تتباعدُ الأنهارُ المُتحابَّةُ.. وهي تُغادر

المجرى في الأسفل.. يلقي بنفسه على المروج التي كانت تبكي وهي تُشاهد نفسها..

تقول الأنهارُ التي كانت تنادي الجبال وتجرِفُها:

نحنُ الجبالُ التي بكت حين رَأَتْ نَفسَها.

عاصفة.. خلف المروج الطويلة التي كانت ترفعها الريح.. الذين حملوا لنا ألم هذه الجبال سيرحلون وهم يتحدَّثون عن مروج السماء الشاسعة.. نحن جميعاً رعاةُ هذا العالم

تردُّ الأنهار المُتحابَّةُ..

منفتحة..

ملقاة..

مُنكسرة

حِوار تشيلي

سترى بحراً من الأحجار

سترى أُقحواناً في البحر

سترى إلهاً من الجوع

سترى الجوع

سترى أشكالاً تُشبه الزهور

سترى صحراء

سترى البحرَ في الصحراء

سترى بُغْضَكَ

سترى بلداً من العَطَش

سترى منحدراتٍ من المياه

سترى أسماءً متسرِّبةً

سترى العَطَش

سترى قليلاً من الحُبِّ

سترى زهوراً تشبه الأحجارَ

سترى عيونهم منسلَّةً

سترى قِمَماً

سترى أقحواناً على القِمَمِ

سترى يوماً أبيضَ

سترى أنّه سينتهي

سترى أنك لا ترى

وستبكي.

صحراءُ أتاكاما (3)

صحاري أتاكاما زرقاء

صحراء أتاكاما ليست زرقاء

والآن قل لي: ماذا تريد؟

صحاري أتاكاما ليست زرقاء لأنَّ روح يسوع المسيح الذي كان ضائعاً، حلَّقت هناك.

ولو أنَّ صحاري أتاكاما ما زالت زرقاء فمن الممكن أن تكون الواحة التشيلية كي ترى أركان تشيلي بفرحٍ من الهواء، سهوبَ صحاري أتاكاما الزرقاء وهي مشتعلة.

صحراء أتاكاما (4)

صحراء أتاكاما مُروجٌ نقيَّة

انظروا لتلك الخراف وهي تركض في مروج الصحراء

انظروا لنفس الأحلام، ثُغاءٌ فوق هذه السهول الشاسعة

وفيما لو لم يُسمع ثغاء الخراف في صحراء أتاكاما، نكوّن نحن إذاً مروج تشيلي ليسمع ثغاء أرواحنا في هذه الصحاري المقفرة البائسة في كل الفضاء، في كل العالم، في كل الوطن.

صُعودُ المحيط الهادئ

المحيط شامخٌ

وحدقاتنا كانت تشاهد الأعجوبة

دون أن تصدِّقَها

سمعنا من جديد الصخور، والجزر اللانهائيَّة تصعد مثلما النجوم إلى السماء

هناك الباسيفيك الرجل، هناك، فوق رؤوسنا

وأنت لا تصدِّقين

وعيناكِ تبكيان

ولا تستطيعين فهم لماذا

وعيناكِ تبكيان كلَّ ما نحبَّ من البحر

كلُّ ما نحبُّ هو البحر

أميركا هي بحرٌ باسمٍ آخر

اخضرارُ الفجر

تبكي أرضُ تشيلي كلُّها المروجَ الصفراءَ التي تضيعُ في وسط الليل دون نورٍ مع كل هذه السهوب تنادي المروج الجديدة فجراً

وماذا لو افتدينا أنفسنا وكنّا مروج الفجر

ماذا لو استيقظنا ووجدنا أنفُسَنا في وادٍ.

ماذا لو أحْيا الفجرُ الأودية الميتة في تشيلي، بالنور.

لأنَّ مروج تشيلي تُخلق مُفعمةً بالنور، والأموات إذاً سيبدؤون يومهم بالضحك عبر سهوب الفجر وهم يلمعون ويغنون أغنية "المولودة من جديد".

الكلُّ سيعلم بهذه الطريقة لماذا يضحك الفجر

وهكذا ستصحو تشيلي كلها كي تُبعث مع أمواتها

— الكلُّ سيعرف إذاً إن كان سيطلع نهارٌ جديدٌ على تشيلي

لأننا حين نستيقظُ سنتمكن من أن نكون النهوض الذي يَضحكُ في تشيلي والمروج، المبعوثة الأخيرة من هؤلاء الأموات في فجر مُنيرٍ خلف الأنديز، تُبَرْعمُ كاخضرار الفجر.

تسجيل 178

تحدِّثكَ الآن صخور حياتك المُحطَّمة

تحدِّثكَ عن مُدنِ إيثاكا الزائفة

عن حطام السفن في الشواطئ البعيدة

عن تعبكَ الذي يطويك على الأمواج

يقولون لك إن نهاية الأرض هناك

والبحر ينهار هناك، وإن السفن ما عادت أبداً

تحدّثكَ في ليلك المقرّب، المخاوف

لتبدو إذاً كشيءٍ يوقظ هذه القصائد كشيءٍ بك، كشيءٍ يجتازُ البحر وينهض.

سوريتا

كما في حلم، حينما كان كلُّ شيءٍ ضائعاً

قال لي سوريتا إنه كاد أن يُنزِل الشراع لأنَّهُ شاهد نجمة في عمق الليل.

ولذا، متكوِّراً مقابل قعر ألواح القارب

بدا لي أن النورَ أشعل من جديدٍ عيوني المطفأة.

كان ذلك كافياً.

وشعرت بالنعاس يجتاحني

جبال الأنديز التشيلية عند الفجر
جبال الأنديز التشيلية عند الفجر · Colin Watts / Unsplash

سلسلة جبال دوتشي

مقابل سلسلة الأنديز

من الجهة الغربيَّة كالليل

تتقدم سلاسل جبال دوتشي

ليست بيضاء سلاسل جبال دوتشي

لا يستطيع الثلج أن يغطّيَ جبال الغرب.

موقوفون أمام سلسلة جبال الأنديز ينتظرون كَحَبْلٍ أسوَد صعودها الأخير في الغرب، وحيدة، مُتجمِّعةً خلف الليل. لأنهم كادوا يتجمَّعون مقابل الأنديز كليلِ الغرب، لهذا فالثلجُ لا يغطِّي سلاسل جبال دوتشي. قممها هي ليلُ الجبال، محاطة بالسواد أمام ثلج تشيلي كما لو أن الثلوج لم تكن شيئاً آخر سوى أشواك تجرح الليل. وهكذا وضعوا تاجاً ينزف دماً من الأنديز، لهذا، من الدم كان الثلج الذي توَّجَ القمم الأنديزيّة، لأن الموت فقط كان تاجاً أحاط الأفق بالدم.

وهكذا والجميعُ مُتوَّجٌ، رأوا سلاسل دوتشي الجبلية مطوِّقةً تشيلي نازفةً كعلم أسوَد ملتفٍّ من الجهة الغربيَّة، حتى لو لم يكن سوى كيميرا. ومن سيقول إن كانت ستخضرَّ السهوب من جديد؟ ماذا لو غنَّت المروج خُضرتها من جديد، لأنَّ من سيقول إن كانت المحروقةُ منها ستزدهر في الوديان، والوديان ستزدهر في تشيلي، فسيغني الجميعُ إذاً مجداً سيُبهر مشاهد الطبيعة: كيميرا هذه المروج.

ستزدهر تشيلي هكذا والكيميرا تحلِّقُ فوق المروج. سيُرى الجميع وهم يستمعون للمجد الذي غنُّوه عبر السهول. لأنَّهم سيُشاهدون وهم يموتون مغطين الأودية مثل كيميرا تغطِّي هذه المشاهد: نشيدُ السهول.

ستُسمع تشيلي إذاً نشيدَ مروج السهول

حتى الحجارة سوف تتعانق هناك وتُفتنُ ببعضها في المروج

ومن سيقول إذاً إنَّ مروج حياتنا لن تزدهر من جديد حتى لو لم تكن سوى كيميرا تغني مجد سلاسل الجبال.

سلاسل جبليَّة

كان المساء قد حلَّ حينما أَمسَكَني من كتفي

أمرني: "اذهب واذبح لي ابنك"

هيَّا - أجبتُه مُبتسماً - هل تشدُّني من شعري؟

"حسناً، إن لم تُرِدْ ذلك فهذا شأنك، لكن تذكَّر من أنا، كي لا تشتكي فيما بعد:"

ولهذا - سمعتُني أُجيبُهُ - وأين تريد أن أرتكبَ هذه الجريمة؟

وبهذا، كأنَّما كان عواء ريح تُحدِّثُ نفسها، قال:

"بعيداً في هذه السلاسل الجبليَّة الضائعةِ في تشيلي".

حياةٌ جديدةٌ

الجوع إلهي

الثلج إلهي

اللاإلهي

الخداع إلهي

الجيفة إلهي

الجنة إلهي

البامبا إلهي

التشيكانو هو إلهي

السرطان إلهي

الفراغ إلهي

الجرح إلهي

الجيتو هو إلهي

الوجع هو إلهي

إلهي

هو حبي لإلهي

راؤول سوريتا

وُلد راؤول سوريتا في سانتياغو تشيلي، في عائلة تسود فيها المرأة؛ إذ تربَّى على يد والدته وجدّته لأمه ذات الأصل الإيطالي التي قرأت له الكوميديا الإلهية منذ نعومة أظفاره، وهو العمل الذي شاهد العالم من خلاله وأسهم في تغذية أعماله الأخرى. تخرج من ثانوية لاستاريا، وبدأ دراسة الرياضيات في الجامعة، لكنه سرعان ما ترك دراسته ليكرّس نفسه للأدب ويلتحق بعدها لدراسة الهندسة المدنية في جامعة فرانسيسكو دي سانتا ماريّا في فالباراييسو ما بين الأعوام 1967 و1973، العام الذي تعرَّض فيه للقمع والاعتقال إثر الانقلاب العسكري في تشيلي على يد أوغستو بينوتشيه.

كانت أعماله "تطهير ما قبل الجنة، 1982"، الانعكاس الحقيقي لما عايشه من عذاب في تلك الفترة. ولاحقاً حصل على منحة جون سايمون جوجينهايم وانتقل لتدريس الأدب في جامعة ولاية كاليفورنيا. بدأ سوريتا كتابة الشعر خلال فترة دراسته في الجامعة من خلال مجموعة مثقفي فينيا دل مار. ولأن حياته لم تنفصل أبدا عن الوجع الإنساني وحضور المشهد التشيلي من المحيط الهادئ وجبال الأنديز حتى صحراء أتاكاما، فقد وضع حياته المهنية على الهامش.

خلال الحكم الديكتاتوري قام بعدة أعمال عبَّر فيها عن ثورته على واقعه الأليم كحرقه وجهه، أو محاولة تعمية عينيه من خلال إلقاء أمونيا عليهما. عام 1984، نشر "نشيدُ حبِّه المفقود". بعد الانقلاب العسكري، سُجن في سفينة بحرية وقد أثرت به تلك التجربة وانعكست على أعماله، فالأدب هو الطريقة للكلام والخلق بعد الألم والعذاب.

بفضل منحة حصل عليها من مؤسسة الأنديز أقام لمدة عامين بين تيموكو وكويهايكي؛ حيث كتب هناك عملا جديدا كان أبطاله أنهار تشيلي، وهناك تعرف إلى العديد من الشعراء المابوتشيس -وهم السكان الأصليون في تلك المناطق- واطلع على ثقافتهم. كان عمله "حياة جديدة" نقطةً فاصلةً في حياته كما يقول هو إنه: "خروج من الجحيم".

حقق العديد من "الأعمال الفنية"، ككتابة قصائد في سماء نيويورك بدخان صادر عن طائرات؛ وفي صحراء تشيلي سجل بيت الشعر "بلا خوف أو وجل" الذي يمكن قراءته من السماء. حاز جائزة بابلو نيرودا للشعر وجائزة بيريسلي دي أورو دي كالابريا الإيطالية، وعام 2000 حاز على الجائزة القومية للأدب التشيلي. تُرجمت أعماله للعديد من اللغات ويعتبر واحدا من أعظم شعراء تشيلي في جيله. من أعماله: (عظةُ الجبل، 1971)، (المناطق الخضراء، 1974)، (ما قبل الجنة، 1982)، (نشيد حبه المفقود، 1985)، وآخرها (INRI، 2003).