غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من المكسيك

ظلال عربية في الثقافة المكسيكية

ملف المكسيك 2017
ظلال عربية في الثقافة المكسيكية

مازحني الكاتب والأكاديمي المكسيكي "ميغيل أنخل بيريس" بالقول إنني ألفظ الكلمات الإسبانية في بعض الأحيان بطريقة "البايسانو خليل"، والبايسانو (Baisano) لفظ يقابله بالعربية "بلديّاتي" أو "قريبي"، ويستخدمه المهاجرون العرب كثيرا.

وأخبرني بيريس أنه خلال العصر الذهبي للسينما المكسيكية، أدّى الممثل المكسيكي "خواكين باردافي" دور المهاجر اللبناني في فيلم "بلدياتي خليل" عام 1942، ولم يكن الممثل ليبرع في دوره لولا تأثير اللبنانيين في مختلف مجالات الحياة في المكسيك، ومن بينها الثقافة والفن.

وعدا عن السينمائيين ذوي الأصول اللبنانية كالمخرج "ماوريسيو زكريا" والممثلين "سلمى الحايك" و"ماوريسيو غارسيس" و"غاسبر حناينة" والأخوين "ديميان" و"برونو" بشر، فقد انتشرت كتابات "جبران خليل جبران" في أوساط المهاجرين العرب في أميركا اللاتينية عموما.

وفي مكسيكو سيتي، يضم "متحف سمية" الذي بناه رجل الأعمال اللبناني "كارلوس سليم" باسم زوجته المتوفاة؛ قسما لأعمال خليل الفنية ورسائله بالإنجليزية والعربية. وتكشف الرسائل العربية جانبا ساخرا طريفا من شخصية خليل، لا يظهر في أعماله التي يغلب عليها العاطفة المفعمة بالحزن والألم.

والمتحف مبني على شكل المنضدة التي توضع فوقها المنحوتات الفنية، وبه أقسام فنية وتحف مختلفة، كان سليم قد جمعها مع زوجته خلال أسفارهما قبل أن يقرر بناء هذا المتحف وضمه جميع الأعمال الفنية والتحف الأثرية، وجعل الدخول مجانا للجميع.

إعادة بناء الجسور

ظل تأثير الأدب بين الثقافتين العربية والمكسيكية محصورا داخل حدود القارة اللاتينية عبر الفنانين والكتّاب من أبناء المهاجرين العرب، ولعل الشاعر "خايمي صغبيني" أبرز مثال على ذلك، وقد أخبرني الشاعر "بالام رودريغو" -وهو من أبناء ولاية تشياباس التي كان يقيم فيها صغبيني من وقت لآخر- أن الأماكن التي كان صغبيني يقرأ فيها شعره كانت تمتلئ بمحبي الشعر، وأن الناس كانوا يحفظون قصائده عن ظهر قلب.

وفي يونيو/حزيران 2017، منح الملتقى العالمي للشعر في المكسيك "جائزة الشعر" للشاعر المغربي "عبد اللطيف اللعبي". الجائزة نفسها يترأس لجنة التحكيم فيها الشاعر الفلسطيني "نجوان درويش"، كما أن الجائزة هي أول جائزة أدبية في المكسيك تُمنح لشعراء من العالم.

وفي الدورة الثانية من المهرجان عام 2014، كان ضيف الشرف الشاعر السوري "أدونيس"، أحد المرشحين لجائزة نوبل للآداب، ولم تخل السنوات اللاحقة من استضافات لشعراء عرب، وترجمات يُنجزها مشروع "دائرة الشعر" بالتعاون مع جهات ثقافية ودور نشر. ومن ضمن الدواوين الصادرة والمترجمة للإسبانية "نائم في غزة" لنجوان درويش.

الاهتمام بالشعر عامة والعربي على وجه الخصوص جعل التنسيق ممكنا بين الشعراء المكسيكيين المنظِّمين للمهرجان، ومنهم "علي كالديرون" و"ماريو بوخوروس"، ومن طرف آخر الشاعر الفلسطيني نجوان درويش الذي ضمه المهرجان للجنة التحكيم إلى جانب شاعر مكسيكي وآخر إسباني.

المهرجان وجائزته يقاطعان حضور شعراء من دولة الاحتلال الإسرائيلي، إذ شدّد كالديرون على القيمة الأخلاقية التي على الشعر أن يحملها، التي التزم بها المهرجان بعدم منحه منبرا باسم الشعر لدولة احتلال.

الثقافة العربية ثقافة سلام

كان لقائي بالشاعرين علي كالديرون وميخائيل لاماس في مدينة بويبلا التي يدّرسان في جامعتها، وسرَّني أن الحديث عن الأدب العربي والثقافة العربية كان خاليا من الصور النمطية. وبرّر لاماس ذلك بأن الملتقيات الشعرية والتعاون الثقافي بينهم وبين الكتّاب العرب مؤخرا قد قرّبهم من المجتمعات العربية، وجعلهم يطلعون على القرآن الكريم الذي يظهر "السلام" في كثير من مواضعه.

كما أكد لاماس أهمية الترجمة، وهي من المشاريع التي يعمل عليها المهرجان، وقد تعاون مع الموقع الأدبي المغربي "إلكترون حر" للشعر، الذي يشرف عليه الشاعر المغربي "جلال الحكماوي"، ولفت النظر إلى أهمية ترجمة الشعراء العرب للإسبانية ذات اللهجة المكسيكية، حيث أنه من بين كل عشرة ناطقين بالإسبانية، هناك خمسة يتحدثون الإسبانية المكسيكية.

لماذا عبد اللطيف اللعبي؟

السؤال طرحته على لاماس الذي قال إن الشعر العربي بشكل عام يثير اهتمام الناس بتياراتهم المختلفة، وبالنسبة للعبي فلم يكن اسما جديدا بالنسبة لإدارة المهرجان ولا بالنسبة لمحبي الشعر، فهو قادم من ثقافتين؛ العربية والفرنسية، ومدافع معروف عن القضايا الإنسانية التي دفع ثمن تبنيها.

شاطره الرأي نجوان درويش، الذي يقول: من بين الأسماء الشعرية المطروحة كان تحمسه باتجاه اللعبي إنصافا للشعر العربي. ورغم ما هو معروف عن نضال عبد اللطيف اللعبي على المستويين الاجتماعي والسياسي، لما يزيد على أربعين عاما، فإن الجائزة منحت له ضمن سياق شعري بحت وليس سياسيا.

كما أن إدارة اللجنة صوتت على منحه الجائزة، لتكون قيمتها أدبية ونضالية؛ فاللعبي -كما قال نجوان في اتصال هاتفي معه- "لم يركن للمكانة التي يحظى بها حاليا في الوسط الأدبي، وما زال شاعرا مشاكسا بمواقفه، التي كان آخرها مناشدته الحكومة المغربية التدخل لإنصاف نشطاء حراك الريف".

وقبل أن ينتهي لقائي بالشاعرين كالديرون ولاماس، أشرت إلى صورة شعار المهرجان لمعرفة صاحبها، ومن الإجابة عرفت أن الاهتمام بالشعر لدى المكسيكيين ليس أمرا جديدا، فقد كانت الصورة للإله "سوشيبيلي"، إله الزهور والموسيقى والفنون لدى شعوب الأزتيك.

×