غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من كولومبيا

عرب كولومبيا: بوغوتا استقبلتنا حين رفضنا الجميع

ملف كولومبيا 2016
عرب كولومبيا: بوغوتا استقبلتنا حين رفضنا الجميع

في كتاب "لقاء بين عالمين، الهجرة العربية لكولومبيا" للباحثة الكولومبية إيسابيل ريستريبو ميخيا، ذكرت أن الجالية العربية تُشكل ثاني أكبر مجموعات المهاجرين بعد الإسبان من بين الأجانب الواصلين كولومبيا بعد الاستقلال. ويقدّر أنه ما بين عامي 1890 و1930 وصل ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف عربي، وفق المؤرخة لويز فاوست.

وفي رواية "وقائع موت معلن" للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، كان بطل الرواية هو سانتياغو نصار المهاجر العربي الذي قُتل انتقاما لشرف فتاة اتهمته بإقامة علاقة معها.

وليس غريبا أن يتأثر ماركيز بما تناهى إلى أسماعه من أخبار مهاجرين عرب، وبلدته بارَّانكيّا هي إحدى المدن التي استقر فيها الكثير من العرب المهاجرين من أشهرهم عائلتا "المفدي" و"جدي".

كما يوجد العرب في مدن أخرى، منها بوغوتا وسانتا مار ومايكاو وغيرها. وكان الخروج من العاصمة بوغوتا واختيار المدن الأخرى بهدف تجنب المنافسة التجارية أو التحاقا بأقارب مقيمين بعيدا عن العاصمة.

في مطعم "علي بابا" الواقع في سوق بوغوتا الرئيسي، التقت مجلة الجزيرة المهاجر الفلسطيني علي نوفل. ومقابل المطعم يدير نوفل محلّين تجاريين متعاونا مع زوجته، بينما يدير ابنه البكر رامز المطعم.

نوفل كان قد انتقل من فلسطين إلى كولومبيا عام 1980 إثر تعرضه للسجن أكثر من مرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وتنقله بين عدة عواصم عربية منها عمَّان وبيروت ثم لحاقه أخيرا بأخيه الأكبر الذي سبقه في الهجرة لكولومبيا عام 1965. فقد كانت تلك الدولة فرصة للفرار من قمع الاحتلال والأنظمة العربية والبدء بحياة جديدة أكثر استقرارا.

لكن نوفل الذي خرج ثائرا من وطنه ما زال يعمل بنفس الروح في كولومبيا، وكان من الذين أرسلوا أبناءهم في أعمار مختلفة لفلسطين للاندماج أكثر في الوطن وتعلم العربية والدين، قبل أن يعودوا لكولومبيا، لذا فأبناؤه يتحدثون العربية بطلاقة رغم أنهم ولدوا بكولومبيا، وهو أمر لا تجده في كثير من العائلات المهاجرة التي بالكاد يعرف أبناؤها العربية.

موسى علي، مهاجر فلسطيني من قضاء الرملة وصل قبل خمسين عاما لهذه الأرض، وكلما كنت أطرح عليه تساؤلا عن سبب الهجرة كانت إجاباته تتسم بالسخرية من السؤال نفسه، باعتبار أن الإجابات بديهية "لم تستقبلنا الدول العربية، لكن كولومبيا احتضنتنا. العالم العربي باع قضيتنا، فلماذا نلوم سياسات كولومبيا المؤيدة لإسرائيل إذا كانت حكومات بلادنا كذلك. ماذا بقي من قيمة العربي في بلده؟".

ويواصل حديثه "كان هناك من خمسمئة لستمئة مهاجر عربي في بوغوتا قبل خمسين عاما، الآن تناقص العدد لأقل من مئة بسبب انتقالهم لمدن أخرى".

ثم يعود علي بالزمن للوراء ليذكر كيف كان العرب الأوائل يقضون 24 يوما في البحر انطلاقا من بيروت فإيطاليا فإسبانيا وصولا إلى كولومبيا. وقد وصل بعض العرب بالخطأ إلى كولومبيا اعتقادا منهم أنهم وصلوا الولايات المتحدة، فنزلوا من الباخرة ورضوا "بالخطأ" الواقع واستقروا في البلد الجديد.

حينما وصل علي كان عمره عشرين عاما، وكان أحد "الكشِّيشة" حيث استُخدم مصطلح "الكش" بين المهاجرين العرب في تلك الفترة وكان يقصد به الخروج للقرى والبلدات الصغيرة لمدة عشرة أو 15 يوما حاملين بضاعتهم على حمار، يبيعون بالدّيْن، ويعودون بعد فترة لجمعه وبيع المزيد من الأقمشة والألبسة، قبل افتتاحهم محلات صغيرة توسعت لاحقا. وفي عام 1980 زار علي فلسطين لأول مرة بعد أن غادرها عام 1966 ليعيل عائلته.

كان معظم المهاجرون الأوائل الذين وصلوا كولومبيا أواخر القرن الـ19 من المسيحيين العرب، ثم توالت الهجرات التي ضمت مسلمين أيضا. والآن هناك ما يقارب 15 ألف مسلم في كل أنحاء كولومبيا، معظمهم من الكولومبيين المعتنقين للإسلام. ويلخص علي حبهم لكولومبيا بقوله "استقبلتنا حين رفضنا الجميع".

شتاتٌ في الشتات

تلك الهجرات من أكثر من دولة عربية تعني أن هناك مسلمين سنة وشيعة. الجاليات الأكبر هي اللبنانية والسورية ثم الفلسطينية، ومؤخرا العراقية. يقول نوفل إنهم كانوا يصلّون جميعا قبل عشر سنين في المسجد الكبير (أبو بكر) لكن الانقسامات الطائفية والفكرية في العالم العربي انعكست على أبناء الجالية في بوغوتا وتبدو جلية بوجود أربعة مساجد فيها.

تمكنت مجلة الجزيرة من اللقاء بالشيخ التونسي إلياس المرزوقي وهو متخصص بعلوم الدين ومدرّس بجامعة الروساريو في بوغوتا ومسؤول عن مسجد ومركز قرطبة الثقافي، يقول إنه مفتوح للجميع من سنة وشيعة وعرب وأجانب ممن يريدون تعلم العربية.

الشيخ خوبينتينو محمد صادق -وهو صحفي وطبيب كولومبي ومسؤول عن مسجد الإمام جعفر الصادق الذي تأسس بدعم من السفارة الإيرانية وبعض الأفراد- كان أكثر دبلوماسية، وأكّد أنه لا توجد خلافات تذكر بل حوادث فردية ليست مهمة.

بيد أن صادق وعند خروجي من المسجد برفقته التقيت سيدة كولومبية واجهتني بسؤال "هل أنت من السنة أم الشيعة؟" فرددت "وهل يحدِث ذلك فرقا؟" فلم توفر السيدة قصة أو حدثا عن الانقسامات إلا وذكرتها واختزلت قاعدتها بقولها "من الأفضل أن يبقى السنة في مسجدهم والشيعة كذلك".

بيد أن نوفل والمرزوقي لم يُخفيا أن العرب في كولومبيا قد تأثروا بالانقسامات الطائفية الحاصلة في المنطقة العربية، قالاها بحسرة لكن الأخير ومن موقع مسؤوليته قال إن الاختلافات فكرية أيضا فهناك ثلاثة مساجد للسنّة وواحد للشيعة، لكن حتى ضمن مساجد السنة هناك اختلاف بالتوجهات الفكرية تؤثر سلبا على علاقتهم ببعضهم البعض مع أنهم يلتقون بالمناسبات الوطنية والدينية كإفطارات رمضان والأعياد.

وبدا كأن المصالحة ظاهرية فقط بين مسؤولي المساجد وكبار الجالية بينما الأفراد أنفسهم منقسمون، ولا محاولات جادة لانضوائهم تحت راية واحدة، إلا أن نشطاء من حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل أخبروني أن الغالبية تجتمع للمشاركة في نشاطات متعلقة بالقضية الفلسطينية.

ويؤكد الناشطون أنهم تلقوا كثيرا من الدعم من المسؤولين في مسجد جعفر الصادق، والقليل من الدعم من السفارات العربية باستثناء المصرية التي أنشأت مسجد "إسطنبول" الذي لم يتسنَّ للمجلة اللقاء بمسؤوله، لكن أحاديث أفراد الجالية ومقابلات في صحف كولومبية منها "ديريكتو بوغوتا" أشاروا إلى أن مسؤوله الكولومبي كارلوس سانشيس يتبنى المذهب "الوهابي".

وينطبق على الجالية العربية والإسلامية في كولومبيا قول "الاختلاف يفسد للود قضية" وأقله الاختلاف الطائفي، فهم مختلفون فيما بينهم أيضا بشأن حضور مؤتمرات حول حوار الأديان. فيقول المرزوقي إن بها تمريرا لأفكار سياسية حيث يكون من بين الحضور يهود صهاينة بينما يحتفظ آخرون بوجهة نظر أخرى.

من جانب آخر، فإن تعليم العربية حاضر في كل من مساجد السنة والشيعة، وهو أمر أساسي فيها، بيد أن الجهود المنقسمة ربما لا تسفر عن نتائج عظيمة.

أشباح في السياسة

بسبب سياسة كولومبيا المؤيدة للولايات المتحدة وإسرائيل فإن تأثير العرب سياسيا ضعيف جدا، رغم أن البرلمان ضمَّ نوَّابا من أصول عربية مثل فرانسيسكو حاتم وجورج امسيح شيّوم، لكن تأثير اليهود أكثر.

ويقول نوفل وعلي إن اليهود يعيشون في تجمعات ويحافظون على لغتهم ودينهم وتقاليدهم في البلاد التي يسكنوها، يعملون في الجامعات ويؤثرون في أفكار طلابهم، فكثير منهم أساتذة علوم سياسية ومحامون وسفراء ودبلوماسيون ويمولون "دولتهم" لأنهم خاضعون لقيادة واحدة بعكس الفلسطينيين والعرب الذين يعانون من قيادات فاسدة وتشتت كبير، وهم مشغولون بخلافاتهم الطائفية والفكرية، ما قلل كثيرا من حجم التعاون بينهم وبين السفارات العربية التي أخبرنا نوفل أن دورها تراجع كالسفارة المصرية مثلا.

الطموح للوصول للسلطة جعل من يصلها من أصول عربية يتماهى مع التوجهات السياسية للحكومة الكولومبية، فعدا التزام قسم منهم الصمت إزاء تأييد بوغوتا لدولة الاحتلال، فإن قسما منهم أيد تلك السياسات مثل جميل حماد، وهو رجل أعمال من أصل فلسطيني، يقول عنه أفراد الجالية إنه يمتلك شركة إعلامية بالشراكة مع يهودي من حلب السورية يدعى بيبي دوبر، لكن كليهما له فكر صهيوني، فحمّاد -وفق نوفل- يصف الفلسطينيين بالإرهابيين ربما كردِّ فعل على هجر والده الفلسطيني لوالدته، وانتقاله لفلسطين تاركا لها مهمة تربية أبناءٍ كبر أحدهم على كرهِ كل ما له علاقة بتاريخ والده.

العرب في كولومبيا لم يعانوا من أية عنصرية، فالسياسة التي تتبعها الدولة لا علاقة لها بالتعاملات الداخلية، فقد اندمجوا بالمجتمع وعاشوا ما عاشه المواطنون وتزوجوا منهم، رغم تحفظ البعض كي لا تضيع اللغة والثقافة. وبعضهم اضطر للنزوح من بلدته بسبب النزاع بين الحكومة والمتمردين، وتعرض بعضهم للخطف وطلب الفدية من المتمردين أو القوات شبه العسكرية.

بقي القول إن الغداء في ذلك اليوم كان بدعوة من نوفل في مطعمه العربي، فقد استقبلت المائدة الكولومبية الحمص والكبة والتبولة بينما بقيت القضايا العربية بعيدة عن "مائدتها المستديرة".

×