غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من كولومبيا

كائنات فرناندو بوتيرو الضخمة.. المجد للحياة

ملف كولومبيا 2016
كائنات فرناندو بوتيرو الضخمة.. المجد للحياة

في مطار إلدورادو بالعاصمة الكولومبية بوغوتا تستقبلك ملصقات كبيرة لأعمال الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو الذي يعتبر هنا أيقونة الفن المعاصر. قدم بوتيرو مئتي عمل فني لمتحف "بنك الجمهورية للثقافة" ببوغوتا، وأشرف على اختيار أعمال فنية عالمية أخرى لإلحاقها بالقسم الثاني من المتحف. وفي ميديين التي ولد بها بوتيرو عام 1932، ثمة احتفاء ملحوظ بابن المدينة البار الذي يعيش حاليا في " باريس ونيويورك وميديين".

وسط مدينة مدييين أيضا متحف وحديقة يحملان اسم "بوتيرو" ممتلئان بكائناته الضخمة التي ميزته عن أي فنان قديم أو معاصر. مؤخرا أهدى بوتيرو -المعروف بعلاقته الجيدة بحكومة بلاده- حمامة سلام نصبت في القصر الرئاسي الكولومبي رمزا لدعمه جهود السلام التي يديرها الرئيس خوان مانويل سانتوس.

يطرق بوتيرو في أعماله )ثيمات( عدة، فترى في لوحاته النساء والرجال والأطفال بأعمار عدة، منهم فلاحون أو رؤساء أو عائلات من الطبقة المتوسطة. شخصيات تاريخية وأخرى واقعية، حيوانات وآلات موسيقية ثم مجموعة من الأعمال التي تنتمي لفن "الطبيعة الساكنة". لكن سمة واحدة تجمع بين كل الأعمال هي السمنة المفرطة بيد أنها سمنة غير مذمومة، فالخطوط المنحنية والفضاءات الدائرية تمنح إحساسا بالراحة، وكذلك الأمر بالنسبة للألوان المستخدمة المستوحاة من ألوان الطبيعة في بلده.

الجمال في لوحات بوتيرو ليس حكرا على اعتدال الحجم أو لياقته بل على المبالغة في الحجم، وكأنما يعيد الفنان للحجم قيمته المسلوبة في معايير جمال العصر الحديث.

أجاب بوتيرو على السؤال المطروح دوما عليه: لماذا ترسم أشكالا سمينة؟ بقوله في صحيفة إلباييس الإسبانية بتاريخ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2013 إنه لم يرسم أشكالا "سمينة" مشيرا إلى أن السمنة بحد ذاتها غير مقصودة وأن للضخامة في أعماله دلالات مختلفة.

وقد صرح في أكثر من لقاء أنه يريد أن يكون الحجم هو العنصر الأبرز في اللوحة وأن يجعل من الحجم فنّاً ومعلما، وأن يجعله محسوسا كما لو كان طعاما. فيقول "على الفن أن يكون جذابا". بشكل عام الرسم بالنسبة له يعني البحث عن الجانب الإيجابي "نعمل نحن الرسامين عملنا دوما على تمجيد الحياة".

ومن المفارقات أن أعماله لم تصبغ بذات تراجيديا الصراعات والأحداث الدموية في بلاده التي مرت بحرب أهلية منذ أكثر من خمسين عاما دون التوصل لاتفاق سلام مرضٍ حتى اللحظة. فيلاحظ أن معظم رسوماته لامست موضوعات سلسة، كان الهدف منها تمجيد الحياة رغم الأحداث المأساوية العظمى. فالجندي في رسومات بوتيرو وإن ظهرت على وجهه ملامح القسوة فإنها قسوة تذوب في الخطوط المنحنية لوجه مكتنز.

صحيح أن بوتيرو لم يكن على تواصل مباشر مع أهالي مدينته ميديين، لكن أعماله لا تكشف إلا عن قرب حد الالتصاق بالمجتمع الكولومبي. فمدييين وبوغوتا وكثير من مدن كولومبيا جبلية تكثر بها المنحنيات الظاهرة في أعمال بوتيرو، بلاط المدن الملون والكنائس والأديرة والراهبات ورجال الدين يظهرون في لوحاته في انعكاس واضح لتأثير الدين على حياة الكولومبيين، فضلا عن الحياة الاجتماعية نفسها التي صورها من خلال مجموعة رسومات حملت اسم "العائلة".

وحتى تصويره للفاكهة في أكثر من عمل ليس عبثيا خصوصا إذا ما تذوق المهتم بلوحاته الأنواع المختلفة من فاكهة كولومبيا مثل اللولو والماراكويا وغيرها. تلك الفاكهة التي يقول الكولومبيون إنها موجودة "حصرا" في بلادهم، ويدللون على ذلك بحادثة وقعت بين الشاعر الكولومبي ألبارو موتيس الذي مكث في المكسيك وقتا طويلا من الزمن دون السعي لاستخراج أوراق رسمية تضمن بقاءه فيها، فنصحه الكاتب المكسيكي بالعمل على استخراج جنسية مكسيكية، حينها أخبره موتيس أنه إذا وجد في سوق الفاكهة المكسيكية ثمرة "الكوروبا" فسيعمل ذلك فورا!

لا يمكن الحديث عن كائنات بوتيرو الضخمة باعتبارها أشكالا كوميدية، وإن أضفت الكثير منها الابتسامة على وجوه رائيها مثل لوحة الموناليزا أو تمثال فينوس اللذين يحطمان تماما معايير الجمال الأوروبية. لكن الضخامة حملت دلالات مختلفة، فتارة تمنحك الشعور بالعفوية كما في لوحة العائلة (1989) وتارة أخرى تدل على أهمية الحدث مثل لوحة موت بابلو إسكوبار (2006) بحيث لم يمنح بوتيرو الأهمية لعنصر ما ويغفلها عن عنصر آخر، فالدماء لم تصب بوتيرو فقط بل المرأة الباكية أسفل المنزل التي لا نعرف إن كانت إحدى ضحايا إسكوبار، أو إن كانت حزينة على موته، أو ربما كان بكاؤها تعبيرا عن حزن المدينة بأكمله جراء القتل الماثل فيها.

وفي أعمال بوتيرو تساوٍ في الحقوق والطبقات بعكس واقعه الكولومبي، فالسيدة الأولى في لوحة تحمل الاسم ذاته (1997) تتساوى في الحجم مع ربة البيت في لوحة العائلة. أما في لوحة "زوجان يرقصان" (1989) فلن يكون الحجم عائقا أمام الاستمتاع بالحياة والشعور بخفة الروح في حضرة الرقص.

×