غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من كولومبيا

حمامة السلام الكولومبي في القفص

ملف كولومبيا 2016
حمامة السلام الكولومبي في القفص

حتى لقائي بأليكس -وهو البائع في سوق مركز مدينة العاصمة الكولومبية بوغوتا، والذي منح صوت لـ"لا" تعبيرا عن رفضه اتفاقية السلام بين الحكومة الكولومبية والقوات المسلحة الثورية الكولومبية المعروفة بـ"الفارك" لإنهاء حرب استمرت بين الطرفين لأكثر من خمسين عاما- كان كل من التقيت بهم من طلاب وأساتذة جامعات وصحفيين وكتاب قد أخبروني بتصويتهم لصالح "نعم" في الاستفتاء ذاته. لكن نتيجة الاستفتاء السلبية جاءت صادمة حتى للذين صوتوا بـ"لا"، إذ كانت استطلاعات الرأي الأولية تشير إلى أن "نعم" ستفوز بسهولة.

أليخاندرو كاستييخو أستاذ علم الاجتماع في جامعة الأنديز ببوغوتا والمتخصص بدراسات المعاملات السياسية يفسر نتيجة الاستفتاء الصادمة بما أطلق عليه "النقص في التعليم"، فقد بدأت محادثات السلام بين الحكومة الكولومبية والفارك قبل أربع سنوات في كوبا، وقبل ذلك كانت المحادثات متقطعة بين الطرفين حتى فقد كثير من الكولومبيين الثقة بأي اتفاق جديد، الأمر الذي يفسر انخفاض نسبة التصويت بشكل عام.

أما "النقص في التعليم" فهو افتراض الحكومة الكولومبية أن مواطنيها مدركون تماما بنود الاتفاق ومتفقون معها فلم توضح لهم البنود كما يجب، فضلا عن أن المحادثات بمجملها كانت تدور بين الطرفين المتحاورين في سرية نوعا ما دون إشراك العامة التي شعرت بأنها ليست جزءا من الاتفاق.

ولعله من المهم أن تعرف الخلفية الثقافية والتعليمية والاجتماعية والدينية قبل أن تسأل محدثك لمن أعطى صوته.

اسأل عن أورويبي

أي حديث عن انتصار حزب الـ"لا" كما سماه كاستييخو لا يمكن أن يمر دون الإشارة إلى دور الحملة التي شنها ألبارو أوريبي الرئيس الكولومبي السابق والعضو في مجلس الشيوخ حاليا والمعارض لمحادثات السلام مع الفارك، فمن المعروف أن الحكومة في كولومبيا ذات توجه يميني، لكن ألبارو يوصف بانتمائه إلى أقصى اليمين، ولكل طرف من الأطراف حساباته التي تدفعه للمضي قدما بعملية السلام أو بمحاولة إجهاضها.

بالنسبة للرئيس الكولومبي الحالي خوان مانويل سانتوس كانت المحادثات هي الحصان الذي امتطاه لضمان الفوز بفترة رئاسية ثانية بعد أن خصخص كثيرا من استثمارات البلاد، فانخفضت أسعار البترول وأسعار والقهوة وتقهقر الاقتصاد الكولومبي، وكان على الحكومة التفكير بأسواق جديدة، وعدا عن "بيع" كثير من الاستثمارات -وفقا لكاستييخو- فسانتوس يريد فتح أسواق جديدة مع بلدان أخرى، وعليه أن ينهي الصراع في بلاده لاستعادة سيطرة الدولة على الأراضي التي تسيطر على بعض منها قوات الفارك. مع هذا، فلا شك أن سانتوس جاد بإحلال السلام في بلاده لكن العملية كان ينقصها الكثير من التنظيم.

بالنسبة لأوريبي وفضلا عن انتمائه –كما أشرنا- إلى أقصى اليمين فهو يأخذ بالحسبان أن المساعدات التي سيتلقاها الجيش الكولومبي من الولايات المتحدة ستنخفض.

كولومبيا تتلقى مساعدات حربية ومالية من الولايات المتحدة مباشرة بعد إسرائيل ومصر، بحسب ما أخبرنا كاستييخو وفيكتور دي كوريا لوغو المحلل السياسي ومؤلف كتاب "محادثات الحكومة والـ"إي أل أن".. رغم كل شيء تمضي".

وتقول أستاذة العلوم السياسية بجامعة الأنديز في بوغوتا أنخيليكا بيتبيرغ إن هناك مبررات للصدمة التي حدثت للكولومبيين والعالم نتيجة الاستفتاء، فقد كانت أسباب إنهاء الحرب بين الطرفين منطقية، كما أن استطلاعات الرأي الأولية كانت تشير إلى فوز الـ"نعم"، والأكثر من ذلك أن الحكومة نفسها كانت ترعى الاتفاق، وعادة تنجح حملات الحكومة.

وتضيف بيتبيرغ "كما أن الاتفاق بدأ يأخذ منحى جادا بعد أن ركز في بنوده على حقوق ضحايا النزاع والاعتراف بها، وحتى الذين صوتوا بـ"لا" كانوا يخجلون التصريح بذلك عند سؤالهم حتى لا يبدو وكأنهم ضد السلام".

ويوضح كاستييخو أن الخطأ الذي ارتكبته الحكومة الكولومبية كان بطريقة صياغة السؤال في الاستفتاء ووضع السلام نفسه محل نقاش، إذ كان السؤال كالتالي "هل أنت مع السلام أم لا؟".

وكان "النقص في التعليم" برأي كاستييخو هو ما سمح لحملة أوريبي بتفسير البنود بطريقة ماكرة، بحيث تقنع شرائح المجتمع المختلفة بأن الاتفاق غير عادل.

المحادثات إذا أفرزت -مجازيا- حزبين، حزب الـ"نعم" وهو بقيادة الحكومة الكولومبية والفارك ومحاربيه وأنصاره ومجموعة كبيرة من المواطنين الذين تأثروا بتبعات الحرب، خصوصا أهل الأرياف وسكان المدن المقتنعين بضرورة توقف الحرب حتى إن لم تطلهم، وحزب الـ"لا" يتزعمه -مجازيا- أوريبي وأنصاره ومعظم الكنائس الإنجيليكية في كولومبيا والمتضررون اقتصاديا من توقف الحرب وأنصارهم ممن تأثروا بدعايتهم.

كان على كل "حزب" أن يحشد مناصريه للتصويت لقراره لكن ما الذي حصل؟

في الوقت الذي كان على الحكومة الحالية برئاسة سانتوس العمل على إقناع الناس بأهمية السلام وشرح بنود الاتفاق بشكل كاف لا يسمح بتحوير التفسير بحسب آراء الطرف الآخر كان حزب الـ"لا" يعمل بشكل جدي لإقناع الكولومبيين بعدم عدالة البنود آخذا بعين الاعتبار شرائحهم الاجتماعية المختلفة.

في البداية، أثار حفيظة الكنائس، خصوصا الإنجيليكية، فالكاثوليكية لا تتدخل في السياسة عادة وتفضل الانعزال، في حين أنه وقبل عشرين عاما تقريبا باتت الكنائس والحملات التبشيرية الإنجيليكية تقتحم المجتمعات اللاتينية -المتدينة أصلا- بكثير من الدعم المالي القادم من الولايات المتحدة.

وكان أحد بنود الاتفاق ينص على الاعتراف بضحايا النزاع وإعادة حقوقهم بغض النظر عن جنسهم، فعدا عن أن المرأة كانت من أهم ضحايا الحرب -خصوصا بفقدانها أبنائها أو زوجها أو معيلها- فقد كانت تؤخذ منها أرضها مثلا إذا توفي زوجها، إضافة إلى ما كانت تتعرض له النساء في تلك المناطق من عمليات اغتصاب.

كسب أوريبي ومناصروه دعم الكنيسة حينما ركزوا على موضوع "حقوق الضحايا بغض النظر عن جنسهم"، وأعلنت الجمعيات المسيحية التي ترفض الاعتراف بالمثليين رفضها التام لذلك البند الذي "يهدم أركان العائلة التقليدية المسيحية"، ومن المفارقة أن الدستور الكولومبي يعترف بحقوق المثليين، وفي أبريل/نيسان 2016 أقرت المحكمة العليا الكولومبية قانونا يسمح بزواجهم، أي أن الموضوع نفسه ليس جديدا لكن تم استغلاله لحملة الـ"لا".

عمل أوريبي من خلال محطة التلفاز التي يمتلكها "آر سي أن" (RCN) على مناقشة بنود أخرى وتحويرها. كنت قد سألت أكثر من شخص ممن يعملون في الفندق الذي أقمت به في بوغوتا وسائقي سيارات الأجرة وبعض العاملين في السوق الشعبي وكانوا ممن صوتوا بـ"لا" على الاستفتاء بسبب اعتقادهم أن الحكومة ستدفع مبلغا شهريا ضخما لمحاربي الفارك مقابل ترك أسلحتهم فأخبروني أنه ليس من العدل أن يعمل المواطن العادي طوال اليوم ويتبع القانون وبالكاد يوفر لقمة العيش، فيما يحصل محاربو الفارك على معاشات جيدة طوال حياتهم مكافأة لهم على جرائمهم.

كاستييخو وكوريا لوغو وبيتبيرغ أكدوا أن الاتفاق ينص على حصول محاربي الفارك على معاشات زهيدة جدا بالكاد تكفي قوت يومهم ولمدة سنة ونصف أو سنتين ريثما يتم تأهيلهم للعمل في مجال آخر وإدماجهم في المجتمع.

وعل الرغم من أن بيتبيرغ تؤكد على أن الحكومة قامت بحملات في مختلف مناطق كولومبيا لإيضاح البنود للمواطنين وإقناعهم بجدوى الاتفاقية لكن كاستييخو يعارضها بقوله إنها لم تكن كافية، كما أن البنود لم تبسط لكافة الشرائح، خصوصا أنها تحتوي أكثر من مئتي صفحة.

ويقول كاستييخو "علينا ألا ننسى المستفيدين من استمرار الحرب، مصانع الأسلحة وملابس الجنود وغيرها، لقد تغلغلت الحياة العسكرية في المواطنين الكولومبيين حتى أن هناك محلات تجارية تبيع معدات الجيش من ملابس وإكسسورات (عدا الأسلحة) كشأن طبيعي، ربما يفضل البعض التعامل مع أمر واقع عنيف اعتاد عليه على الذهاب لأمر مجهول".

أحدهم ممن رفض اتفاق السلام قال لي "لم أعط صوتي لـ"لا" لأنني ضد السلام بل لأنني ضد البنود" رغم أنه لم يطلع عليها.

استعجال حزب الـ"نعم"

بالنسبة إلى حزب الـ"نعم" يرى كاستييخو أن الحكومة الحالية بقيادة سانتوس تسرعت في طرح الاستفتاء الذي أجري ليوم واحد فقط لأنها كانت على ثقة تامة أن الكولومبيين سيصوتون على الموافقة، لم يكن هناك وقت كاف لكثير منهم في الخارج مثلا لتسهيل معاملات التسجيل للتصويت.

الكثيرون ظنوا أن الجميع سيصوت لـ"نعم" فلم يكلفوا أنفسهم عناء التصويت، إضافة إلى ما تعرضت له المناطق المطلة على المحيط الهادئ من إعصار وسوء الأحوال الجوية فلم يتمكن الكثيرون من الخروج من منازلهم في ذلك اليوم، وهؤلاء قد عانوا كثيرا من الحرب ويريدون إيقافها.

وفي 12 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي استمرت المحادثات في كوبا للتوصل إلى اتفاق سلام جديد بدأه رئيس الوفد الحكومي أومبرتو دي لا كايي لومبانا بالطلب من المواطنين قراءة البنود المنشورة على موقع خاص على الإنترنت.

مع هذا، فقد رفض أوريبي مرة أخرى الاتفاق الجديد في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، واستمرت المحادثات بهدف التوصل لاتفاق جديد. لا يبدو على معارضي الاتفاق قلقهم من الخضوع لشروطهم بشأن الفارك، فهذه المنظمة التي ظلت لعقود على لوائح إرهاب المجتمع الدولي ضاقت ذرعا بالحرب واغتيل الكثير من قادتها وكادت تفقد الثقة تماما بالحكومة، ففي ثمانينيات القرن الماضي اغتيل أكثر من ثلاثة آلاف عضو من الفارك -حسب بيتبيرغ- من قبل عناصر القوات شبه العسكرية في إثر اختراق الفارك الحياة السياسية ولذلك كان اختيار كوبا مناسبا، إذ إن الفارك يعتبر امتدادا لأفكار الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو الثورية.

كما أن أعضاء الفارك الآن باتوا مكشوفين وليس بإمكان الحركة التراجع، وقد فقدت الكثير من الدعم، خصوصا أن الحياة السياسية في البلدان الذي تحمل حكوماتها توجها يساريا باتت مستقرة، ولم تعد هناك حركات مسلحة تدعم بعضها بعضا في جنوب القارة.

يذكر أن مجلس النواب الكولومبي صادق أخيرا على اتفاق سلام جديد مساء الأربعاء 30 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وقعته حكومة الرئيس سانتوس مع قوات الفارك غداة إقراره في مجلس الشيوخ.

×