غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من كولومبيا

قبر يحكي تناقضات أسطورة "إسكوبار"

ملف كولومبيا 2016
قبر يحكي تناقضات أسطورة "إسكوبار"

"أفضِّل قبرا في كولومبيا على زنزانة في الولايات المتحدة" تلك هي المقولة الأشهر لزعيم عصابة المخدرات الأشهر في مدينة ميديين والعالم، بابلو إيميليو إسكوبار جيفيريا المعروف ببابلو إسكوبار. عبارة خطّتها الدولة على السجن الذي بناه إسكوبار لنفسه وأقام فيه عقب اتفاقه مع الشرطة الكولومبية أوائل تسعينيات القرن المنصرم.

ولد إسكوبار عام 1949 في ميديين. وفي عقد الثمانينيات كان قد استحوذ على تجارة الكوكايين وتهريبه، متزعما عصابة ميديين التي كانت على نزاع دائم مع عصابات مدينة كالي والشرطة.

روبن هود كولومبياهكذا حاول إسكوبار أن يصوّر نفسه، وهكذا ظنّه كثيرون. ففي قلب مدينة ميديين هناك حي كامل باسمه كان قد بنى فيه مئتي ألف بيت وقدمهم للفقراء تمهيدا لخوضه الحياة السياسية التي كانت سببا في فتح العيون على تجارته الممنوعة.

كان إسكوبار نفسه يقول إنه يشبه روبن هود في سرقته من الأغنياء ومنحه مساعدات للفقراء، حيث اعتادت المناطق الفقيرة والمهمشة من قبل الدولة على زيارات أسبوعية من إسكوبار ووالدته المعروفة بتدينها الشديد، محملين بمواد تموينية لتوزيعها على الأهالي. تلك الأفعال لا تنم عن تغطية لأفعال قذرة فحسب بل هي جزء من تركيبة شخصية جمعت تناقضات أفرزها تاريخ قاس وظروف اقتصادية واجتماعية صعبة.

يزور القبر سياح كثر، وهؤلاء متأثرون بالدعاية التي وفرتها "هوليود" لهذه الشخصية المعقدة. كما يداوم على زيارة القبر أيضا مناصرو إسكوبار، ما يفسر وجود باقات الورد المحيطة بقبره، وبعضهم يتردد على القبر باكيا إذا ما مرّ بضائقة. وفي الوقت ذاته يمتلئ القبر بصاقا وشتائم كل يوم، وقد تعرض لمحاولات نبش وتخريب.

لا شك أن هؤلاء الذين ساعدهم إسكوبار ما زالوا أوفياء له، لكنه لا يمثل وجها ناصعا لأهالي المدينة الذين يحاولون التخلص من ذكرى ماض عنيف.

طلبت من سائق أجرة أن يقودني لقبره فوبخني بشدة، أخبرته أنه أصبح جزءا من ماضي المدينة فكان قاسيا بالرد علي. لكن سائقا آخر هو خورخي إلياسر بدا متخصصا بإجراء جولات للسياح الذين يسألون عن هذه الجزئية من تاريخ المدينة، قال لي إنه كان في الـ19 من عمره حينما قُتل إسكوبار، وإن المدينة كان يصلح أن يُطلق عليها مدينة الرعب في تلك الفترة، لكن لا يمكن إلا أن يعترف بأن إسكوبار ذا الذكاء الخارق كان بحق أسطورة.

لأسباب اقتصادية ودعائية تسمح وزارة السياحة بعمل جولات في الأماكن التي ارتبطت بإسكوبار، كمبنى موناكو الذي تعرض عنده الزعيم لمحاولة اغتيال من قبل من عرفوا بالـ"بيبيس" أي "Los Perseguidos Por Pablo Escobar" وتعني "الملاحقون من قبل بابلو إسكوبار" حيث نجا الأخير من محاولة القتل لكن ضحية بريئة قضت في ذلك الانفجار.

مع إلياسر وصلنا للسجن الذي بناه إسكوبار لنفسه وفق اتفاقه مع الحكومة الكولومبية، وهو بيته المقام بجانب كنيسة كان قد قدّمها لوالدته، وكانت العائلة تقيم صلواتها هناك. فلا يخفى على أحد أن إسكوبار كان شخصية "متدينة" وهذه إحدى المتناقضات الموجودة في شخصية تميزت بذكاء شديد واحتفاظها بكاريزما تمكنت من إحاطة نفسها بجيش من المدافعين، لدرجة أن كثيرين يقولون لك "لم يكن إسكوبار عنيفا إلا حينما هوجم بشدة".

التناقض في شخصية إسكوبار لم يكن حكرا على زعيم العصابة دون أفرادها، فوفق إلياسر صمم أفراد عصابة إسكوبار مجسدا لعذراء أُطلق عليها "عذراء المرتزقة" فكانوا يدعونها قبل الذهاب لتنفيذ عملية قتل أن تُيسِّر لهم مهمتهم (في القتل) دون أن يحدث لهم مكروه!

بأسماء مستعارة عاشت زوجة إسكوبار وابنه خوان باولو إسكوبار (سيباستيان ماروكين) وابنته مانويلا في الأرجنتين، وقد أصدر ابنه مؤخرا كتابا يحكي فيه عن والده بعد أن أعلن رسميا هويته وطلب المغفرة من ضحايا والده.

على الأغلب لم يُقتل إسكوبار بأيدي الشرطة الكولومبية التي كانت تود إرساله للمحاكمة في الولايات المتحدة، فرصاصة في رأسه تشير إلى أنه انتحر خلال الهجوم الأخير على بيت كان مختبئ فيه وسط ميديين، وكان قد أخبر عائلته قبل ذلك أنه سينتحر إذا ما تم القبض عليه لأنه يفضل "قبرا في كولومبيا على زنزانة في الولايات المتحدة".

أما البيت أو السجن فقد حولت الحكومة الكولومبية قسما منه لمأوى للمسنين، وقسم آخر يتلقّى به ضحايا إسكوبار علاجا نفسيا.

يقول إلياسر إن أخا لإسكوبار يمنح مقابلات للصحفيين وصورا للسياح مقابل مبلغ زهيد لا يتجاوز عشرة دولارات، فقد صادرت الحكومة جميع ممتلكات العائلة وأبقت على ما يضمن لهم العيش براحة نوعا ما، لكن تصريحاته عن حياة أخيه سواء لمخرجين سينمائيين أو تلفزيونيين أو كتّاب باتت تشكل مصدر دخل جديد. وقد حاول إلياسر فعلا الاتصال بالأخ لكن الأخير لم يجب.

دعم ثقافي من غير إسكوباريرفض كثير من مثقفي ميديين اعتبار إسكوبار أسطورة، بل ويتعمدون إغفال ذكره كالشاعر خورخه أنخل الذي يلفت النظر إلى أن تاريخ ميديين لا يتوقف عند إسكوبار، وأن هناك وجوها للمدينة حريّة بالذكر كالفنان التشكيلي فرناندو بوتيرو ومسارح ميديين وأفلامها السينمائية ومهرجانها الشعري.

ووفق الممثلة المسرحية بيرتا رويس فإن وزارة الثقافة في ميديين قدمت دعما لأكثر من ثلاثين فيلما سينمائيا وعملا مسرحيا لم تكن من ضمن ثيمات أي منهم إسكوبار، وبرأيها فإن المدينة استطاعت النهوض داخليا من جديد والتخلص من ذكرى شخصية معقدة جمعت العنف والحنان والتدين والعصيان في آن.

وكانت رويس قد التقت إسكوبار خلال زيارته لمبنى التلفاز الذي كانت تعمل به وكان من تأسيس إسكوبار ذي الشخصية "الدمثة" التي لا يمكن نسيانها. ذهب صوتا رويس وأنخل لـ"نعم" في الاستفتاء الشعبي الذي أجرته الحكومة يوم 2 أكتوبر/تشرين الثاني 2016 لتحقيق السلام بينها وبين متمردي الفارك.

أما إلياسر فيقول إنه غير معني باتفاق السلام، فهو لا يثق بالاتفاقات الحكومية ويرى أن عليه العمل لكسب رزقه بنفس الطريقة سواء تم الاتفاق أو فُسخ.

×