غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من كولومبيا

نُهب الذهب وبقيت الأسطورة

ملف كولومبيا 2016
نُهب الذهب وبقيت الأسطورة

تقول أسطورة "إلدورادو" أو "الذهبي" الكولومبية، إن احتفالا كان يقام لتنصيب زعيم قبائل الموييسكا بكولومبيا قبل الاستعمار الإسباني. وكانت بحيرة غواتاتيفا المقدسة هي المسرح الطبيعي للاحتفال بسطحها اللامع وسط الجبال كالزمرد.

وفي "باكاتا"، الاسم القديم للعاصمة بوغوتا، يستعد الأهالي لذلك اليوم بارتداء الذهب والزمرد ابتهاجا بتنصيب زعيمهم، ويحضرون معهم العطايا لتقديمها للآلهة العليا "تشيبشاكوم"، آلهة المياه. أما الطعام فكان تحضيره يبدأ منذ فترة كافية، ويوضع في أوان ذهبية ويصنع نبيذ الذرة ويُسكب في كؤوس ذات أشكال وأحجام منوعة.

قبل ذلك بسنوات كانت عملية تهيئة الزعيم تبدأ بعزل الزعيم المستقبلي، وهو غلام في كهف يبقى فيه ولا يخرج إلا عند مغيب الشمس ويعود قبل طلوعها. كان عليه أن يعتاد على الصوم ويحافظ على جسد سليم قوي البنية.

وحين يأتي ذلك اليوم العظيم، يوم التتويج المقدس، يظهر الوريث الشاب وحاشيته من كهنة ومحاربين ونبلاء. عندها يستطيع الأهالي رؤية زعيمهم المستقبلي، وملاحظة ما اكتسب جسده في تلك الفترة من لياقة جراء الصوم المفروض عليه، لتحقيق الطهارة الروحية والجسدية وليكون مستعدا لحكم شعبه.

يرتدي الكاهن ملابس خاصة لهذه المناسبة ويزين رأسه بالريش المتعدد الألوان، وبإشارة من يده يأمر الناس بالصمت. والكاهن أيضا هو شخصية مهابة من جانب الشعب نظرا لقامته القوية جراء الصوم أيضا، وهو الوسيط بين الإنسان والآلهة التي يقدمون لها العطايا والصلوات، وتمنحهم الشفاء عن طريق استخدام الأعشاب السحرية.

يُعرّى الزعيم المستقبلي من ملابسه ويُغطى بالذهب وغبار الذهب، وفي هذه الأثناء لا يمكن سماع أي صوت، فالجميع يترقب تلك اللحظة. حينها يبدو الزعيم وكأنه تمثال ذهبي تنعكس عليه أشعة الشمس فيركب طوافة ذهبية صنعها خصيصا الصاغة في غواتاتيفا.

تبحر الطوافة بهدوء نحو منتصف البحيرة. يبدأ الزعيم بالصلاة لآلهة المياه والآلهة الحامية قبل أن يقفز نحو الماء. تمضي ثوان قليلة قبل رؤية دوائر على سطح المياه حيث غطس، وتبدأ أنفاس الناس بالتسارع قبل أن ينهي طقسه المائي بالاستحمام (التعميد) بمياه البحيرة ويتوج زعيما أو "كاسيكي".

وحينما يظهر الزعيم تتعالى هتافات الناس ويقرعون الطبول ويلقون العطايا الذهبية والأساور والتيجان والسلاسل والدبابيس والدروع والكؤوس والتماثيل البشرية المصغرة المليئة بالزمرد إلى النهر. الزعيم في طوافته أيضا يلقي كل تلك المشغولات الذهبية لكن بكميات أكبر.

تعود الطوافة للشاطئ وسط صخب الحضور. والآن وقد صار زعيما للقبيلة، عليه أن يطبق ما تعلمه خلال عزلته في الكهف فيحكم بالعدالة والحكمة. أما الاحتفالات فتستمر لأيام وتستمر معها المسابقات والرقص قبل أن تعود الحياة لطبيعتها، حيث يعود المزارعون لأراضيهم والصاغة لأعمالهم.

كان الذهب عند تلك الشعوب يرمز للشمس بلمعانها وقوتها المستمدة من القوة الإلهية، وهو يمثل طاقة الحياة، وكانت تصنع منه معظم الأشياء ومجسمات على شكل طيور وحيوانات وعناصر طبيعية مقدسة، يعتبرها الأهالي أمما كالبشر، وكل حيوان وطائر يرمز لقيمة أخلاقية ووجدانية ما.

أما الأنهار فكانت ترمز لبطن الأرض الأم، وحينما يلقي الزعيم العطايا للبحيرة، فإنه يلقيها في رحم الأم لولادة وتجديد حياة جديدة.

أوائل القرن السادس عشر، احتل الإسبان كولومبيا، ولم يوفروا جهدا في تجريد الأهالي من الذهب، واستعبادهم للحصول عليه وإرساله لإسبانيا. ولم تكن القبائل من السكان الأصليين في كولومبيا ذات وزن سياسي أو علمي كبيرين كحضارات المايا والإنكا والأزتيك.

ولاحقا، بدأ الإسبان باستخدام السكان الأصليين لأعمال التعدين، وطبقت نفس القوانين التي تحكم التعدين في إسبانيا منذ القرون الوسطى. وعندما تم استنفاد العمالة من السكان الأصليين أحضر الإسبان الأفارقة إلى كارتاخينا. وهناك بيعوا لأسيادهم الجدد الذين قادوهم إلى مناطق التعدين.

دفنت "الحضارة" الإسبانية أسطورة "الذهبي" بعد أن سلبت كل ذهبه وحكمه وتاريخه ولم تبق في أرض كولومبيا إلا عينات تملأ ثلاثة طوابق في متحف الذهب بوسط العاصمة بوغوتا، بينما ذهب معظمه لخزائن الملكية الإسبانية.

×