روى لي الأستاذ الجامعي المتخصص بالأدب الإسباني خوان فيليبي روبليذو، أن غابرييل غارسيا ماركيز، الكاتب والصحفي الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1982، كان في طريقه لعبور الحدود المكسيكية مع زوجته ميرسيدس بارتشا أواسط عام 1960 قادما من الولايات المتحدة إثر تلقّيه تهديدات من كوبيين معارضين لحكم الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو.
كان ماركيز حينها يعمل مراسلا صحفيا للوكالة الإخبارية "لا برنسا لاتينا" في نيويورك، وكان معه القليل من المال لاجتياز الحدود التي تناول فيها طبقا من الأرز المكسيكي الملوَّن. تلك الألوان المضافة للأرز فتحت شهية ماركيز ليس للطبق فقط، بل لقضاء حياته لاحقا في المكسيك بعدما ترك بلده الأم كولومبيا.
فكّر ماركيز في التنوع والجمال الذي تحتضنه تلك البلاد منعكسا في أرزها. وكان ماركيز قد قال في مقابلة أجرتها معه مجلة "كوراليبي" عام 1981 "إن الحنين يمر عبر الطعام"، وإنه حين كان يسافر من مدريد إلى العاصمة الكولومبية بوغوتا توقفت الطائرة في مطار بلدته بارانكيّا، وطلب من المضيفة أن تعبر شارع المطار وتحضر فطيرة خبز الذرة المعروفة بالأريبا مع البيض من كشك مقابل المطار تماما، سألته المضيفة "وكيف تعرف أن هناك كشكا صغيرا يبيع الأريبا بالبيض؟"، فأجابها بأن حياته كلها قد قضاها في بارانكيّا وهو يأكل الأريبا بالبيض. لكن ما الذي حمل ماركيز على هجر "أريباته" العزيزة وتفضيل الأرز المكسيكي الملون؟
في الأسبوع الأخير من مارس/آذار 1981، سافر ماركيز مع زوجته مرة أخرى للمكسيك بعد أن كانت قد وصلته تهديدات بالتوقيف من قبل الجيش الكولومبي، الذي كان يشك في وجود ما يربط بينه وبين إحدى الحركات المتمردة في كولومبيا المسمّاة "أم-19".
فقد نشر مجهول تحت اسم مستعار في جريدة "إلتيمبو" الكولومبية تلك الأخبار، وكانت الحكومة التي يترأسها خوليو سيسار تورباي قد أوقفت عددا من المثقفين والكتاب في ذلك الوقت، بينهم لويس فيدالس وعازفة البيانو تيريسيتا غوميس وغيرهما، وفي ذلك العام كانت رحلة ماركيز الثانية للمنفى المكسيكي، إلا أن التهديد هذه المرة كان من حكومة بلاده.
وفي صحيفة "إلباييس الإسبانية" كتب ماركيز في أبريل/نيسان من العام ذاته أن خروجه من بلاده لم يكن بمحض إراداته وإنما بناء على اتهام رسمي.
تلك حقائق لا ينكرها أهل كولومبيا ولا نظراء ماركيز من الكتاب والمثقفين الذين يؤكدون أن حياة كاتب الـ"مائة عام من العزلة" في كولومبيا في ذلك الوقت كانت مهددة فعليا من قبل القوات شبه العسكرية، فإذا كانت الحكومة رسميا تكتفي بالاعتقال، فإن تلك القوات لا تعرف سوى القتل، وكانت قد نفذت فعلا اغتيالات بعدد من الكتاب، فضلا عن ممارسات التعذيب الممنهجة.
الشاعر سانتياغو إسبينوسا (جائزة خايمي سابينس المكسيكية للشعر 2016) يقول إن جائزة نوبل لم تكن لتشفع لماركيز لدى تلك القوات المعروفة بتجاوزها كل حدود الإنسانية، ويتابع أن "ماركيز أيقونة كولومبية تحظى باحترام الجميع حاليا، سواء من اليسار أو اليمين، بسبب حصوله على تلك الجائزة العالمية، وقد كرمته الدولة بوضع صورته على عملتها، كما أنه بالإمكان رؤية صورته على جدارية في مبنى كبير وسط بوغوتا".
مع هذا، لم يسلم ماركيز من النقد وهو اليساري في بلد يحكمه اليمين، والأدهى من ذلك ما عرف عن علاقته القوية بالرئيس الكوبي فيدل كاسترو، التي جرَّت على ماركيز الكثير من النقد والمشاكل، حتى اكتشف مؤخرا أن المخابرات الأميركية نفسها كانت تتجسس عليه.
وبحسب إسبينوسا فقد تدخل ماركيز أكثر من مرة لتقريب وجهات النظر بين الحكومة والمجموعات المتمردة، وكان يعمل على إحلال السلام بينهم، لكن البعض يرى أنه اكتفى بالتواصل مع الحكومات وكان بعيدا عن الناس.
قد يختلف الكولومبيون على مواقفه السياسية ما بين مؤيد ومعارض، لكنهم يجمعون على ذائقته الكتابية وعلى كونه أيقونة كولومبيا ووجهها المشرق.



