غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من كولومبيا

"ميديين" الكوكايين.. الشِعر والجمال ينتصران

ملف كولومبيا 2016
"ميديين" الكوكايين.. الشِعر والجمال ينتصران

هي ثانية أكبر مدن كولومبيا. ولا يعرف كثيرون أنها مدينة صناعية بل تُسمّى مدينة "الموضة" لتطور مصانع النسيج بها.

في العالم، ارتبطت صورتها بتجارة المخدرات -وتحديدا الكوكايين- وتهريبه. وكانت بالفعل من أخطر مدن العالم وخصوصا في عقد الثمانينيات من القرن الماضي. إثر مقتل زعيم عصابة ميديين الأشهر بابلو إسكوبار، حاول أبناؤها النهوض بها من جديد بأساليب عدة أهمها الثقافة والفنون.

في بداية تسعينيات القرن المنصرم، بدا واضحا أن أهالي ميديين مصابون بحالة من الإحباط بسبب ما تتعرض له المدينة، ففي كل يوم كانت أخبار مقتل أحد الساسة أو أفراد العصابات أو ضحايا مدنيون هي الأبرز.

ووسط تلك الأجواء قرر الشاعر فرناندو رندون "التدخل" وفق تعبيره. فكان أن أسس مهرجانا للشعر يقول عنه لمجلة الجزيرة إنه أتى متوافقا مع الحساسية الشعرية التي يمتلكها أهالي المدينة.

تلقى رندون تهديدات عديدة من أطراف النزاع في ميديين سابقا، وخصوصا من القوات شبه العسكرية، حيث كان يستدعي شعراء من مختلف التوجهات، ومن بينهم يساريون، وهو ما كان يعتبر "شبهة" في عرف تلك القوات. ويعتبر أن المهرجان ونشاطاته على مدار العام قد ساهمت بإحلال السلام في المدينة، حيث أصبح الشعر ركنا أساسيا من أركانها، ويقول "انتهت الصراعات وبقي الشعر".

مدينة الشعراءاعتبر رندون الشعر عنصرا أساسيا في توحيد فئات المجتمع، فشخصيا تربطه علاقات وطيدة بمجموعات السكان الأصليين الذين اضطروا للجوء إلى ميديين بعد مصادرة أراضيهم من قبل ملّاك الأراضي وأطراف النزاع، وقد أخبرنا رندون أنهم اصطحبوا عددا من الشعراء الفلسطينيين مثل غسان زقطان وزكريا محمد للقراءة لتلك المجموعات، بسبب تقاسمهم الهموم ذاتها.

1300 شاعر من كل أنحاء العالم أسمعوا أبناء ميديين قصائدهم. وكان للشعراء العرب نصيب وافر من المشاركات في ذلك المهرجان. يذكر منهم رندون، البحريني قاسم حداد والليبي عاشور الطيبي والإماراتية ميسون صقر والمصري أحمد الشهاوي والسوري حسين حبش، وغيرهم. ويقول إن الثقافة العربية مرتبطة دون شك بثقافتهم في أميركا اللاتينية المتأثرة أصلا بالإسبانية التي ظلت محكومة للعرب على مدى قرون.

بداية المهرجان لم تكن مفروشة بالزهور، فالناس كانوا بالبداية مشتتي الذهن، وتنقصهم ثقافة الاستماع. شيئا فشيئا بات المهرجان أحد طقوس المدينة، وازداد الجمهور ليصل إلى خمسة آلاف شخص، لا يترددون بالتعبير عن إعجابهم أو امتعاضهم من الشعر المقروء.

للشعر في ميديين دور شعبوي وليس فقط نخبويا، فجميع فئات المجتمع تحضر المهرجان، بل وتشارك فيه. وكان أبرز أنشطة المهرجان دمج الأطفال والشباب، وخصوصا في ظل جذب تجار المخدرات لتلك الفئة، وكذلك التواصل الدائم مع السكان الأصليين، ونشر أعمالهم الشعرية واصطحاب الشعراء للقراءة في مناطق النزاعات أو المناطق المهمشة في كل أنحاء كولومبيا.

وعن ذلك، يقول رندون إن أيا من أطراف النزاع لم يتعرض يوما للشعراء أو للإدارة بسوء عدا تلك التهديدات التي تحدث عنها آنفا. ويعقب على ذلك بقوله "يختلفون في كل شيء ويشتركون بحب الشعر".

ميديين تقول لاظهرت على رندون علامات الأسى وأنا أسأله "طالما تقومون بكل هذه الجهود لتوحيد فئات المجتمع وإحلال السلام، فلماذا أعطت ميديين صوتها لـ"لا" في الاستفتاء الشعبي الذي أقيم يوم 2 أكتوبر/تشرين الثاني 2016؟". فقال إن المدينة التي عانت من صراعات عصابات المخدرات فيما بينها ثم بينها وبين الدولة لم تدر فيها حروب بين الفارك (القوات المسلحة الثورية الكولومبية) والحكومة، وهي مرتع خصب لأفكار اليمين المتطرف الذي يقوده الرئيس الكولومبي السابق ألبارو أوريبي المنحدر أصلا من المدينة والمؤثر بها. كما أن الناس في ميديين يرفضون القرارات الصادرة من بوغوتا، ويشعرون دوما أنهم في منافسة دائمة مع المدينة الأولى في كولومبيا، وأنهم إن لم يشاركوا في صنع القرار فلن يسهّلوا عملية تنفيذه.

تبدو ميديين الآن مدينة هادئة آمنة، رغم أنها لم تتخلص تماما من تجارة الكوكايين وترويجه، لكن الحكومة تعمل على إرساء الأمن بنشر عناصر الشرطة وسط المدينة خصوصا.

تاريخ ميديين يوجزه تمثالان لعصفورين كان قد صمّمهما ابن المدينة الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو، في متنزه سان أنطونيو. ففي عام 1993 انفجرت قنبلة لم تصرح أي جهة بمسؤوليتها عن الحادث. لكن الأهالي يقولون إن المسؤول عادة عن تلك التفجيرات كان إما عصابات المخدرات أو القوات شبه العسكرية (باراميليتار).

أودى ذلك الانفجار –وهو ليس الوحيد- بحياة 22 مواطنا وجرح مئة آخرين. وحين طلبت بلدية المدينة من بوتيرو تصميم مجسّم عصفور آخر عوضا عن الذي تضرّر، اشترط أن يظلّ الأول شاهدا على تاريخ عنيف يحثّ المدينة على عدم العودة إليه، والثاني المكتمل يعد رمزا لانتصار الجمال على العنف.

×