غدير أبو سنينة → العودة إلى الأفلام التسجيلية
فيلم تسجيلي · الأرجنتين / لبنان

بيروت – بوينوس آيرس – بيروت

منشور عام 2014
ملصق فيلم بيروت – بوينوس آيرس – بيروت
ملصق الفيلم — إخراج إرنان بيلون (إنتاج الجزيرة و INCAA)

يبدو اسم الفيلم الأرجنتيني التسجيلي (بيروت – بوينوس آيرس – بيروت، انتاج 2012) لمخرجه إرنان كورتيس طويلا، لكنه يتناسب مع طول رحلة أبطال الفيلم التي لا نعرف إن كانت قد بدأت في لبنان أو في الأرجنتين. الفيلم التسجيلي سيأخذ شكل الرواية حينما نسمع بطلة الفيلم غراسييلا تسرد أحداثه منذ أن أخبرتها أخت جدتها أن جدَّها الأكبر الذي قضى حياته في الأرجنتين لم يمت فيها بل غادرها إلى لبنان دون عودة حين كان في الستين من عمره.

كانت الرسائل تصل منه إلى أبنائه الذين لم يردوا على رسائله بسبب غضبهم منه لتركه لهم دون أي مبرر.

صندوق كبير تعهد به جدّة غراسييلا يحوي رسائل والدها (محمد موسى هيثم) إلى أبنائه يصبح في متناول يد غراسييلا التي تقرر أن تخوض مع فريق الفيلم رحلة البحث عن الجذور. تدخل الكاميرا مع العائلة وتكون جزءا منها ونستمع لحوارات غراسييلا مع جدتها وخالاتها عن ذكرياتهن مع الجد الأكبر. كيف كان يصلي خمس مرات، بسجادة مزخرفة، وكيف كانت زوجته تمنع أبناءها من إثارة الفوضى أثناء صلاته، وكيف عمدتهم في الكنيسة سرا.

تبدأ غراسييلا بحثها من أرشيفات الهجرة والمهاجرين في بدايات القرن المنصرم، وسنعرف أن العرب هم ثالث أكبر فئة من المهاجرين في الأرجنتين بعد الجاليتين الإسبانية والإيطالية. لكن المعلومات التي تحصل عليها قليلة جدا حينما تقول لموظف الهجرة أنه كان مسلما فيبرر شح المعلومات بأن الكنيسة الكاثوليكية كانت مسؤولة عن إدارة الهجرة في تلك الحقبة.

ظلّ مسافر أمام طائرة تحمل شعار الأرزة اللبنانية في المطار
مشهد من الفيلم · طائرة الأرزة اللبنانية في المطار

صندوق الرسائل

كانت الرسائل التي يرسلها لأبنائه الأربعة –الذين امتنعوا عن الرد عليه بسبب تركه لهم- مكتوبة باللغة العربية وكان على غراسييلا أن تأخذها للبناني يدرِّس اللغة العربية كي يترجم لها الرسائل، ولأنه قادم من نفس الثقافة (اللبنانية) فقد حاولت أن تعرف منه تبريرا لتصرف جدها فنرى جانبا من ثقافة المهاجرين اللبنانيين الذين يرفضون شراء أي ممتلكات في الأرجنتين كي لا يضطروا للبقاء والموت فيها.

كانت إحدى الرسائل المرسلة عام 1975، أكثر ما لفت نظر غراسييلا إذ أنها مليئة بالأشواق والحنين من الجد لأبنائه، وسنعرف بها أن الجد قد بلغ من العمر 95 عاما، أي أنه استمر لمدة ثلاثين عاما بارسال الرسائل للأرجنتين.

وفي ذات الرسالة ينقل الجد سلام زوجته الحاجة زينب لأبنائه الذين يخمنون أن تلك السيدة هي من كانت خطيبته قبل أن يهاجر لبنان في عمر الثامنة عشرة، لكن غراسييلا ستعرف لاحقا أن تلك الرواية لا أساس لها من الصحة حين تعلم أنه كان يكبرها بعشرين عاما، كما ستمسك بطرف خيط حين تعلم أنه من كفر كيلا في الجنوب اللبناني.

رسائل أخرى لفتت انتباهها كانت من ابنة أخته كريمة، كانت ترسلها من لبنان لخالها وفيها شحنة كبيرة من الحب والتقدير للخال المهاجر، عدا عن أخبار زواجها وانجابها أربعة أبناء.

فريق تصوير الفيلم داخل مبنى حجري في جنوب لبنان
فريق التصوير في لبنان · من كواليس الفيلم

كفر كيلا

في اجتماع العائلة بمناسبة عيد ميلاد الجدة تخبرهم بأنها ستنتقل للبنان لتزور قبر جدها، لتحقق حلم جدتها (ابنة محمد موسى هيثم) الذي عجزت عن تحقيقه، لنبدأ رحلة جديدة معها ينقلنا بها مخرج الفيلم خطوة خطوة إلى مسقط رأس جدها الذي لن تصل إليه بسهولة أبدا.

بمساعدة أصدقاء لها كانوا بالأرجنتين وتصادف وجودهم في لبنان تحاول غارسييلا التعرف إلى لبنان وتاريخه، تارة نستمع للتاريخ من أصدقائها اللبنانيين، وتارة أخرى نستمع لصوتها الذي اتخذ دور "الراوي".

ولأن قرية كفر كيلا تقع على الحدود الإسرائيلية، فسيواجه الفيلم بعض المشاكل في استخراج التصاريح من الجهات المعنية. في تلك الأثناء نرى غراسييلا تزور مدنا أخرى كصيدا وبعلبك دون أن تتوقف عن السرد، فيما ترصد الكاميرا تلك المشاهد مع مونولوج داخلي حين تشاهد السفن تزين البحر المتوسط فتتراءى في مخيلتها صورة جدها المهاجر، مصحوبة بخلفية موسيقية شرقية لا تدهش المشاهد اللاتيني فقط بل حتى العربي الذي سيرى لبنان بعيون أرجنتينية.

وبرفقة صديقها اللبناني أنطوان ستصل كفر كيلا بعد استخراج التصاريح المطلوبة. ولن يكون من الصعب على أهل القرية معرفة الشخص الذي تسأل عنه، وتبدأ الخيوط بالانحلال بيسر وسلاسة حين تزور بيت المختار الذي يخبرها أن والده اشتراه من جدها قبل أن ينتقل للعيش مع زوجته في بيت آخر، فتختار غراسييلا مقادة بالحنين أن تجلس على المقعد الذي اعتاد الجلوس عليه مشرفا على الشارع. وهناك ستعرف ربما دون أن تتفهم سبب اصرار الجد على العودة لكفر كيلا على لسان المختار الذي أكد بلهجة حازمة أنه (الجد) أراد أن يدفن حين موته على الطريقة الإسلامية رافضا أن يغترب جسده الميت عن أرض لبنان من جديد.

ألبوم الصور والرسائل هم المفتاح الذي ستدخل به غراسييلا قلوب ما تبقى لها من عائلة ومعارف في كفر كيلا، فتزور أفرادا من عائلة زينب ونلاحظ على قسماتها شيئا من خيبة الأمل لعدم انجاب جدها أبناء منها، لكنها لا تيأس من البحث فتسأل عن ابنة أخت جدها "كريمة" التي ستعرف أنها قتلت من قبل الإسرائيليين عام 1948، أي قبل عودة الجد للبنان لكنها تركت أربعة أبناء بقي منهم حبيب على قيد الحياة.

لاحقا تلتقي حبيب وعائلته الممتدة، فهو جدٌّ الآن وكل ما تبقى من أقارب غراسييلا. ترصد لنا كاميرا الفيلم ردود الفعل المباشرة والعفوية لاستقبال العائلة غراسييلا وتجاوب الدم مع الدم، وربما يكون المشهد الرئيس في هذا الفيلم مختزلا بتلك اللحظة التي تهدي فيها غراسييلا رسالة من كريمة (أم حبيب) لحبيب الذي لم ير والدته أبدا، بل لا يحتفظ بشيء منها سوى هذه الرسالة التي وصلته بعد عقود من طرف العالم الآخر من العالم.

تبقى آخر مشاهد الفيلم من زيارة لقبر الجد مع عائلة حبيب، استكمالا لحكاية البحث عن الجذور التي بدأت من الأرجنتين وانتهت في مقبرة متواضعة بالجنوب اللبناني.