اتهامات بسرقة الدجاج كفيلة باعتقال سجناء أبرياء دون أي تهم واضحة والإبقاء عليهم فترات طويلة تتجاوز السنوات دون أن يلتقوا محاميا أو قاضيا مع التعرض المستمر لأسوأ أنواع التعذيب.
تلك شهادة عابرة نسمعها من أنطونيو فوميليا، بطل الفيلم التسجيلي الحائز على جائزة مهرجان الجزيرة عن فئة الحريات العامة، 2014 -الذي يستمر 25 دقيقة- "الهروب من الجحيم"، للمخرجين مارلين رابو وآرنو زاجتمان.
الأحداث التي تتشابه مع كثير من المعتقلات السياسية التي يسيطر فيها قانون الغاب تدور في سجن ماكالا في مدينة كينشاسا، عاصمة الكونغو الديمقراطية. وسيكون للمشاهد الفرصة للعيش داخل أحد المعتقلات ومعاينة الظروف القهرية التي يعايشها نزلاء السجن مباشرة بفضل كاميرا صغيرة استطاع فوميليا تهريبها داخل أسوار السجن، لتكون عدستها شهادة توثق الانتهاكات الإنسانية بصورة حية.
سعير الثورة
لا تختلف حكاية الثورة التي حدثت في كينشاسا أواخر التسعينات من القرن المنصرم عما تشهده أيامنا من ثورات تبدأ بمناهضة الديكتاتورية ثم لا تلبث أن تعتنقها.
الثورة التي تستخدم أسماء حرة في استمالتها للشعب كالتشي جيفارا وتوماس سانكارا زعيم الثورة الإفريقية من أجل كسب تأييده. فوميليا واحد من هؤلاء الذين آمنوا بمبادئ العدل والمساواة وانضم للثورة التي اعتقد أنها ستكون الخطوة الأولى لاعادة الحقوق لأصحابها واحترام إنسانية الفرد. فقد انضم لحركة لوران كابيلا التي نجحت في إزاحة الديكتاتور موبوتو عن الحكم ثم أصبح ضابط استخبارات في هيئة الرئاسة، لكنه لم يستغرق وقتا طويلا كي يكتشف أن هذه الحركة لا تختلف في معتقدها عن غيرها، الأمر الذي جعله يفكر بالاستقالة التي لم يجرؤ على تقديمها خوفا من أن يتهم بالخيانة.
تكثر التشبيهات والاستعارات والمجازات خلال حديث فوميليا عن الفترة التي قضاها في السجن، فسنواته تشبه عصر النهضة، أما الحرية فاختزلها بشجرة مانغو باسقة رآها حين خطت قدماه خارج أسوار السجن. هو نفسه شهرزاد، ففيما هي تتكلم طوال الليل خوفا من القتل، كان هو يقرأ ويكتب طوال سجنه خوفا من كآبة تحمله للموت. تلك الاستعارات تبدو منطقية حين يعرض الفيلم المشاهد التي يظهر بها مخرجا يدرب ممثلين في مسرحه الذي أنشأه بعد هروبه من كينشاسا إلى برازافيل عابرا نهر الكونغو بطريقة غير شرعية.
لا يعتمد الفيلم الذي يبدو للوهلة الأولى سياسيا، على ثيمة واحدة، وهذا ما يحسب له في عدم إغفاله الكثير من الجوانب كالتاريخية التي تسرد الأحداث التي مرت بها الكونغو من ديكتاتورية موبوتو، وتأسيس حركة لوران كابيلا الثورية، ثم مقتله وحملة الاعتقالات التي طالت كثيرا من مناهضي الديكتاتورية –ومن بينهم فوميليا الذي حكم عليه بالاعدام ظلما إلى جانب الكثيرين غيره، ليخفف إلى الحكم المؤبد بعد تدخل منظمات حقوقية-، ثم الفكرية التي نرى بها أنموذجا للثائر المثقف والواعي، والفنية التي تقتطع مشاهد من المسرحية المعروضة لاحقا، والتي تعكس معاناة المعتقلين الذين لم تتح لهم فرصة الهرب، لكن على الأقل أصبح لهم صوت عوضا عن حناجرهم الصامتة، ثم الجانب الإنساني الذي يمر بكل هذا وذاك لكنه يظهر بشكل أوضح من خلال علاقة فوميليا بعائلته التي اضطرت للتشرذم بعد انفصال زوجته عنه، وقضاء أولاده أوقاتا معه في السجن، ولقائه بهم بعد الهروب منه، إضافة لقراره مغادرة البلاد بعدما حصل على اللجوء السياسي وما سيتوقف عليه من افتراق أبنائه عن أمهم، والأهم من هذا وذاك وصول صناع الفيلم لتصوير مقدار الخوف الذي يتمكن من السيطرة على أي إنسان مهما كان وعيه وفكره وعمق إيمانه.
هروب من الهروب
الجحيم في الفيلم لا يبدو واحدا فقط، تماما كالهروب الذي يحمل أشكالا متعددة. الشكل الظاهر هو الخطة التي دبرتها له ابنة أخته حين زارته في السجن وساعدته بالتنكر في شكل امرأة ليتمكن من الخروج معها خائضا مغامرة كادت أن تودي بحياة الاثنين. الهروب الحقيقي لم يكن من السجن بحد ذاته بل من الرعب الذي عايشه فوميليا في السجن لمدة عشر سنوات استطاع بها أن يصور تعذيب مجموعة من السجناء بعد محاولتهم التمرد، وتصوير الفساد الذي يعيث في جنبات السجن، وخصوصا أن لجنة الرقابة فيه ليست سوى حفنة من المجرمين الذين يمارسون كل أنواع الإجرام من متاجرة بالممنوعات وسرقة أموال وطعام السجناء السيء أصلا وغيره من تغيير لوائح السجن فيما يتناسب مع مزاجيتهم. الهروب فيزيائيا كان بتخليص نفسه من الاستمرار في حبس شبهه بالجحيم، لكننا نراه في آخر الفيلم يلمح لجحيم آخر حين كان ينظر من نهر الكونغو إلى مدينته كينشاسا التي لن يستطيع أن يدخلها بعد ذلك، جحيم أن ترى وطنك ماثلا أمام عينيك ولا تستطيع الاقتراب منه بسبب الخوف.
يظن فوميليا أن حياته بالسويد –التي قبلت طلب لجوئه إليها- ستكون أفضل وهو يتأمل أن يتمكن من إيصال صوت بقية المعتقلين الذين لم تقتلهم حياة السجن. يذهب لأوروبا بآمال كبيرة ولا نعرف إن كان ثمة جحيم آخر سيلاقيه هناك بمسميات أخرى كالمنفى والغربة والفقد أو حتى خيبة الأمل، أم أنه فعلا قد ودع الجحيم للأبد!
