بفيلمه "بيروت-بوينوس آيرس-بيروت"، تجاوز المخرج الأرجنتيني حدود القارة اللاتينية ليقفز مباشرة للبنان، هناك استكملت الحكاية أركانها جميعا بالوصول لقرية صغيرة في جنوب لبنان هي كفر كيلا.
في حصيلة إرنان بيلون عدد من الأفلام التي نالت استحسانا من النقاد وشاركت في الكثير من المهرجانات، وعدا عن الفيلم المذكور، أخرج عددا من الأفلام منها: "تانغو حياتي، 2009"، "صوفيا تتم 100 عام، 2010"، "الحقل، 2011".
عن فيلمه "بيروت-بوينوس-بيروت" الذي أنتجه مهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية، كان للجزيرة نت معه الحوار التالي:
كيف اختمرت فكرة الفيلم، وماذا كنتم تأملون من صناعته؟
كانت غراسييلا "بطلة الفيلم"، قد شاهدت فيلمي "تانغو" الذي فاز بالجائزة الثانية بمهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية، وعن طريق صديق مشترك اقترحت علي صنع فيلم يحكي عن عائلتها، وكانت في رحلة بالبحث عن أصل حكايتها. بدوري، عرضت الأمر على المسؤولين في الجزيرة الذين أبدوا اهتماما بالفكرة وساهموا بالانتاج بالإضافة لمؤسسة السينما القومية في الأرجنتين. وقد كنا نأمل أن يحاكي الفيلم حكايا المهاجرين أينما كانوا في القارة، خصوصا في بلدان كالبرازيل والأرجنتين وكولومبيا، حيث هناك نسبة مرتفعة من المهاجرين العرب وخصوصا من الجالية اللبنانية.
ولماذا لم يسفر بحثكم عن تاريخ هجرة الجد للأرجنتين عن شيء؟
نعم، لم نستطع تحديد السنة المحددة لهجرته، ذلك لأن الهجرات من تلك البلاد لم تكن رسمية ولم تكن موثقة في السجلات، لكن ومن المعطيات التي وصلنا إليها فقد وصل الجد محمد موسى هيثم خلال الحكم العثماني للوطن العربي، أي قبل الحرب العالمية الأولى، وبعد الحرب العالمية الثانية، توفيت زوجته ورجع لقريته كفر كيلا.
غرباء في كفر كيلا
يبدو في الفيلم أنكم واجهتم صعوبات في التصوير دون تفاصيل، هل لك أن تحدثنا عن ظروف التصوير في لبنان؟
كان هناك الكثير من المتطلبات للحصول على التأشيرة اللبنانية، منها ألا يكون هناك ختم إسرائيلي على جوازاتنا مثلا، وهذا إجراء تجاوزناه، إذ لم يسبق لأي منا أن دخل إسرائيل. لكن الصعوبة الأكبر كانت بالتصوير في قرية كفر كيلا، وهي قرية تقع في جنوب لبنان وقد احتل الإسرائيليون جزءا منها خلال حرب حزيران، ولذلك فالقوات الدولية المنتشرة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية كانت تطلب منا استخراج تصاريح من جهة، ومن جهة أخرى وحين استصدرنا التصاريح المطلوبة، كان علينا أيضا استخراج تصاريح من حزب الله. ذهبنا إلى كفر كيلا مرتين فقط، وهناك منعتنا القوات أيضا من تصوير المواقع الخارجية. كان علينا أن نصور داخل البيوت فقط، بينما الفيلم يتطلب أن نصور القرية نفسها. بكاميرا صغيرة، ودون أن يعي أحد بذلك، استطعنا أن نصور بعض المناظر الخارجية. كما أن وصول الغرباء لكفر كيلا كان غريبا وجديدا، فمنذ عام 1963 لم تدس القرية قدم غريب، وكانت آخر زيارة لصحفي كندي لكفر كيلا عام 1963، ثم نحن بفارق خمسين عاما. بل حتى اللبنانيون أنفسهم لا يزورون هذه الضيعة، وأحيانا كان علينا الاستعانة بالسفارة الأرجنتينية لتسهل لنا الحصول على التصاريح.
أما في المطار فكان الموظفون على وشك مصادرة الأفلام، وهنا أيضا اتصلنا بسفارتنا كي يسمحوا لنا بالسفر مع المواد التي صورناها.
إذا يمكننا أن نتصور أن كفر كيلا مكان منغلق على نفسه، وأهله محافظون ويكاد احتكاكهم بالغريب منعدم، فكيف استقبلوكم؟
في الحقيقة، هم من كان يخفف عنا تعنت الإجراءات وصعوبتها. كانوا لطفاء جدا، واستقبلونا بكرم وطيبة. صحيح أنهم محافظون، فهم من المسلمين الشيعة، لكنهم منفتحون على الغريب وقد أسرونا بحسن ضيافتهم وكرمهم.
ماذا عن اسم الفيلم "بيروت، بوينوس آيرس، بيروت"، لم اخترتموه مع أن الأحداث لم تجرِ في بيروت؟
صحيح تماما، فالجد عاش ومات في كفر كيلا وليس في بيروت، بل حتى خلال إقامته في الأرجنتين، كان يعيش في مدينة في الداخل الأرجنتيني ولم يقم ببوينوس آيرس إلا وقتا قصيرا قبل هجرته لها للأبد. تناقشت مع غراسييلا، بطلة الفيلم في الاسم، وكنت أفكر بعنوان مثل "الطريق إلى كفر كيلا" مثلا، لكننا فكرنا أن كفر كيلا ليست منطقة مشهورة ولن يوضح الاسم مضمون الفيلم، ثم كان، "لبنان-الأرجنتين-لبنان"، وأيضا رأينا أن الاسم ليس له وقع مثل "بيروت-بوينوس آيرس-بيروت"، فالعنوان يقول أن هناك رحلة ما بين هاتين المنطقتين كونهما تمثلان عاصمة كلا البلدين، وتعتبران كمحطتي مرور.
اللحظة في ذات اللحظة
بالنسبة لأسلوب التصوير، اعتمدتم أسلوب الراوي، فقد كانت غراسييلا تروي الأحداث خلال الفيلم، وتمثل كأنها بطلة في فيلم روائي وليس تسجيلي، ما الذي جعلكم تصورون بهذه الطريقة؟
في العادة أنا لا أعتمد أسلوب الرواية في أفلامي، لكن غراسييلا كانت تكتب يومياتها الخاصة وانطباعاتها عن الرحلة، لذلك ارتأينا أن نضع صوتها على الفيلم ليكون هناك مصداقية أكثر، كونها المحرك الرئيس للعمل والشخصية التي بدأت البحث عن أصولها، ومن الطبيعي أن يدون المسافر مشاهداته، قمنا بالفيلم بالاستفادة من مدوناتها على شكل صوت راوي.
أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، فغراسييلا بالأساس ممثلة، وقد تكون ظهرت في بعض مناطق الفيلم وكأنها تمثل. فعليا، قمنا بالتصوير مباشرة، دون إجراء مقابلات أو حوارات، كانت الكاميرا تدخل وكأنها فرد من العائلة، وكان الناس يستغربون الكاميرا في النصف الساعة أو الساعة الأولى ثم ما يلبثون أن يعتادوا على وجودها. لقد صورنا ما يقارب من 76 ساعة، وكنا نقص المشاهد التي نرى فيها الشخوص غير مرتاحين بالكلام، وتركنا في الفيلم المَشاهد التي كانوا يتحدثون فيها دون شعورهم بوجود الكاميرا، ليتم اختزال كل تلك الساعات في ساعة ونصف تقريبا هي مدة الفيلم.
ماذا بالنسبة للجدة، وهي امرأة طاعنة في السن ومن الصعب أن تتعامل مع الكاميرا بالبساطة التي يتعامل بها الآخرون؟
دعيني أخبرك أنني صورت فيلما تسجيليا بعنوان "صوفيا تتم 100 عام"، وكما يبدو من العنوان فصوفيا تبلغ 100 عام، وقد صورته بنفس الطريقة. فحتى الأشخاص المسنون –كغيرهم- يبدأون بالتعامل العفوي مع الكاميرا بعد ساعة تقريبا من بدء التصوير، ثم إننا نبدأ بعمليات المونتاج بطريقة تشبه الأفلام الروائية. إنني أعتمد أسلوب تصوير "اللحظة في ذات اللحظة".
قد نستطيع اعتبار الفيلم فريدا من نوعه، كونه يحاكي أحداثا حدثت في قارتين تفصل بينهما آلاف الأميال، وتطرق موضوعا نائما هو الهجرة، فما الذي فتحته من آفاق أمامك؟
الكثير، فموضوع الهجرة موضوع مهم لكن المراجع عنه قليلة. في الأرجنتين هناك ثلاث هجرات رئيسة هي: الإسبانية فالإيطالية فالعربية، وقد بدأ الجيل الجديد من أبناء المهاجرين بالاهتمام والبحث والتقصي عن جذوره. سفري إلى لبنان فتح عيني على أشياء كثيرة في الوطن العربي وغيرت أفكاري المسبقة عن بعض مجريات الأمور التي كان لدي معلومات قليلة عنها. وعلى المستوى المهني، فقد تعرفت إلى عدد من المخرجين اللبنانيين وشاركت في مهرجان السينما الأرجنتينية في بيروت، ولدي مشاريع للمشاركة بأفلام أخرى في أفلام قادمة، وإعطاء الأولوية لموضوعات الهجرة، ولذا اعتبرت نفسي مع فريق العمل سفراء الأرجنتين في لبنان.
