غدير أبو سنينة → العودة إلى الأفلام التسجيلية
فيلم تسجيلي · المكسيك

أحلام الصم في «موسيقى العين»

2012
ملصق الفيلم التسجيلي المكسيكي موسيقى العين
ملصق فيلم «Música Ocular» — إخراج خوسيه أنطونيو كورذيرو

كان على بشار بن برد أن يُتحف الأدب العربي ببيت خالد من الشعر يقول فيه: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة، والأذن تعشق قبل العين أحيانا. ذلك لأن عينيه عجزتا عن إدراك ذلك الجمال بصريا، فأدركه سمعيا. لكن بالنسبة للفيلم التسجيلي المكسيكي "موسيقى العين"، الذي يكمن عجز أبطاله في جهازهم السمعي والنطقي، فسيكون عليهم أن يدركوا الجمال بصريا على عكس شاعرنا الظريف.

وخلافا لبقية الأفلام التسجيلية التي تنطلق من تصوير الواقع، يتميَّز الفيلم باتخاذه من أحلام الشباب الصم –وهم أبطال الفيلم- نقطة انطلاقه. فهو أول فيلم تسجيلي مكسيكي يتخذ من لغة الإشارة مادة للسيناريو، كما أنه الفيلم الوحيد الذي سيتمكن الصم من فهمه كاملا لأنه موجه أصلا لهم، أما الشخص "الطبيعي" فسيأخذ دور الأصم هذه المرة في صعوبة إدراك الفيلم الذي تسيطر فيه لغة الإشارة، وسيكون عليه أن يتابع الترجمة المكتوبة في أسفل الشاشة دون أن تغفل عيناه عن تتبع إيماءات وحركات ممثليه من الشباب الصم.

تدور أحداث الفيلم في قرية سيبوليتي في ولاية واخاكا، جنوب شرق البلاد. والأبطال هم شباب صم يجتمعون غالبا في المؤسسة المدنية "بينيا بالميرا" التي تهتم بهذه الفئة من المجتمع.

سينما، واقع وحلم

يبدو البطل الرئيسي "إيريك" أكثر الوجوه ظهورا في الفيلم، وقد نجحت ملامحه إلى حد كبير بالتعبير عن هواجسه وعواطفه كلما اقتربت منه الكاميرا التي بدا واضحا أنها لم تعجز عن فهمه. وكان مخرج "موسيقى العين"، خوسيه أنطونيو كورذيرو قد تعرف إليه أثناء زيارته لـ"واخاكا" حيث قرر بعدها تنفيذ الفيلم. وعن ذلك اللقاء يقول: "في هذه اللحظة شعرت أنني عاجز، فالفكرة أصبحت مقلوبة تماما، إذ كنت أنا الشخص الذي لا يفهم، لم أكن أفهم لغته".

حاول كورذيرو أن ينقل لنا التواصل بين تلك الفئة من الشباب حين عمد في كثير من مواضع الفيلم لتقسيم الشاشة قسمين ما سهل على المشاهد متابعة أكثر من طرف في وقت واحد ليتعرف أكثر على طريقة التواصل أو لغة الإشارة المستخدمة.

يختلط الواقع بالحلم وبالسينما في الفيلم الذي استمر تصويره ثلاث سنوات قبل أن يعرض عام 2012. فهؤلاء الشباب لا يستطيعون سوى مشاهدة السينما الصامتة التي تسمح لهم على الأقل بفهم جزء منها إذا ما ألغينا قدرتهم على سماع المؤثرات الصوتية أو الموسيقى المركبة على مشاهدها، فهي –إلى حد ما- تتقاطع مع لغتهم البصرية.

يظهر إيريك (البطل الرئيسي) كثيرا وهو على سريره إما في بيته أو على البحر، ويتبع ذلك المشهد مشاهد أخرى تناقش رغبات الشباب وطموحاتهم وآراءهم واجتماعهم لمشاهدة الأفلام الصامتة التي استطاع المخرج أيضا أن يجعلهم جزء منها بتسليمهم أدوارا قريبة من أدوار ممثلين حقيقيين، لدرجة أن صديقة إيريك تسأله في أحد المشاهد عما إذا كان ما يشاهدونه فيلما أم حلما، فيجيب: لا أدري.

وعن السينما الصامتة في الفيلم يقول كورذيرو: "يمكن إدراك المشاعر بحواس كثيرة، إذ قد يثيرك أمر ما أو أن تثيره أنت بطرق شتى، السينما تسمح لك بذلك، فليس مهما أن تسمع كي تستمتع بالسينما أو بالفن أو بأي شيء".

العين تعزف موسيقى

البحث الكثيف الذي قام به المخرج ليقترب أكثر من عالم الصم قاده للنتائج التي توصل لها الطبيب البريطاني أوليفر ساكس، الذي يؤكد أن للصم قدرات خاصة تمكنهم من صنع موسيقى خاصة بعيونهم، وهذا يعني أن بإمكانهم انتاج أنماط بصرية شبيهة بالموسيقى نفسها، وهكذا استوحى المخرج اسم الفيلم، كما استفاد من كتاب "موسيكوفيليا" لنفس الطبيب في كتابة السيناريو مع فريق العمل. أما الكتاب فهو مجموعة حكايات عن الموسيقى والعقل.

ورغم أنه فيلم مخصص للصم إلا أنه لم يخل من الموسيقى التي يقول عنها كورذيرو إنها مصممة خصيصا من أجل أن يدرك الصم فيزيائيا اهتزازاتها الصوتية رغم عجزهم عن سماعها، وبعد عرض الفيلم أمام أشخاص أصماء بشكل جزئي أو كلي سألهم كورذيرو إن شعروا بالموسيقى، فكان ردهم إيجابيا، لقد تمكنوا من استماعها والشعور باهتزازاتها.

لقد كان همُّ المخرج الأكبر ينصب على تصوير أحلام هذه المجموعة من الشباب الذين اختلفت تعابيرهم ما بين واقع بالحب أو حالم بالهجرة لأمريكا أو معترف بميوله المثلية، متجاوزا بذلك التركيز على العجز "الجسدي" لديهم.

وقفت باكيةً بعد انتهاء الفيلم وقالت بلغتها البصرية: «هذه هي المرة الأولى التي أفهم فيها فيلما».

ولربما كانت ردة فعل شابة صماء كانت تتابع عرض الفيلم في مهرجان موريليا للأفلام التسجيلية في المكسيك، خير دليل على تحقيق الفيلم لمراده.