في المرة الأولى التي زرت فيها العاصمة المكسيكية، تذكرت القاهرة بشوارعها المزدحمة وجوِّها الملوث بدخان السيارات، واكتظاظها بالسكان، إذ يبلغ تعداد المكسيك 112 مليون نسمة يسكن 21 مليونا منهم العاصمة.
بيد أن هذا الربط بين تلك العاصمتين بالنسبة لي لا يقتصر على الحاضر، فقد عاشت على أرض القاهرة ومكسيكو سيتي حضارتان عظيمتان، وكلتاهما تحمل على أرضها أهرامات تشهد على ما وصلت إليه حضارتها من تقدم.
والمكسيك دولة متعددة الثقافات والإثنيات، يقع جزء منها في أميركا الشمالية والجزء الآخر في أميركا الوسطى، وهذا البلد، الذي يتقاسم أكبر مناطق حدودية مع أميركا الشمالية التي تحاول الحد من الهجرة غير النظامية من المكسيكيين لأراضيها، يتكون من 31 ولاية، إضافة للعاصمة الاتحادية الفدرالية. ونظام الحكم فيها فدرالي.
ما بعد الغزو
وصلت جيوش المستعمر الإسباني إرنان كورتيس المكسيك في القرن السادس عشر. وبسهولة تمكّن من احتلال تلك المناطق بسبب البون الشاسع في الأسلحة التي يمتلكها كل طرف، كما كانت قبائل الأزتيك تشهد صراعات فيما بينها، مما سهل احتلالها وفتح الباب أمام نشوء عرق جديد هو المستيسو (الخليط).
بقيت المكسيك تابعة لإسبانيا ثلاثمئة عام، حدثت فيها تحولات كثيرة على المستويات السياسية والاجتماعية والعلمية، حيث كانت أول آلة طابعة ترسلها إسبانيا لـ"إسبانيا الجديدة" هي تلك الموجودة في المكسيك.
استقلت المكسيك عن إسبانيا عام 1821 بعد عشر سنوات من الكفاح المسلح، لكن ذلك الاستقلال لم يصاحبه تحقيق لمبادئ الديمقراطية، فقد ظلت الطبقة العليا من الأصول الإسبانية متحكمة بزمام الأمور، وعرفت تلك الفترة أيضا بكثرة الصراعات السياسية الداخلية وغزوًا من جارتها الشمالية.
وفي عام 1849، وبعد حربها مع الولايات المتحدة، تنازلت المكسيك -بموجب اتفاق ينهي الحرب- عن بعض أراضيها مثل تكساس ونيو مكسيكو وأريزونا وكاليفورنيا وأوتا ونيفادا وجزء من كولورادو. ومن الطريف أن المكسيكيين بدؤوا حملة ساخرة تطالب الحكومة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترمب بإعادة تلك الأراضي بعد قرارات الأخير المتعلقة بالحد من الهجرة.
كان بينيتو خواريس هو أول رئيس مكسيكي من السكان الأصليين والوحيد حتى اللحظة، وقد تولى الحكم بين عامي 1861 و1872، وتميّز حكمه بالإصلاحات الليبرالية. وخلال حكمه حاولت فرنسا اجتياح المكسيك وفقدت الكنيسة تأثيرها السياسي.
التبعية الاقتصادية للولايات المتحدة بدأت منذ العام 1872، حين تولى بورفيريو دياس الرئاسة، وفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية، أعقب ذلك ثورة عام 1910، التي دعمت حقوق الفلاحين والعمال بقيادة إميليانو ساباتا وبانشو فيلا، اللذين يعتبران بطلين قوميين، ومن المفترض أن سياسة المكسيك الحالية قد تأسست على مبادئ الثورة. أما ساباتا فهو المرجعية الأساسية لجيش "الساباتيستا" للتحرير الوطني، الذي تأسس عام 1994 مستندا على روح الثورة المكسيكية.
ووفقا لدستور عام 1917، فقد توحدت الولايات المتحدة المكسيكية كجمهورية ديمقراطية. وتأسس الحزب الرسمي الثوري عام 1929، الذي سيتحول للحزب الثوري المؤسسي عام 1946، وسيحكم المكسيك أعضاء منه لـ71 سنة متتابعة.
ومن الأحداث التي ما زالت ارتداداتها على المكسيكيين جلية لليوم ما حدث من قمع للطلاب الذين خرجوا في مظاهرة احتجاجية ضد الحكومة عام 1968 في مدينة تلاتيلولكو.
أكبر ناطقة بالإسبانية
عدد المتحدثين بالإسبانية في المكسيك أكثر من عددهم في إسبانيا نفسها. صحيح أن الدستور لا يحدد لغة رسمية واحدة للبلاد، إلا أن متحدثي الإسبانية في المكسيك يفوق المئة مليون، إلى جانب 68 لغة محلية ونحو 200 لهجة يتحدث بها أكثر من ستة ملايين شخص.
الدين أيضا غير محدد في الدستور، فالمكسيك دولة علمانية، لكنها بلد معروف بانتشار الكاثوليكية فيه بشكل كبير، ويتخذ المكسيكيون من العذراء "غواذا لوبي" قديسة لهم حتى إن تماثيلها وأيقوناتها تطغى على أيقونات العذراء نفسها.
يتنوع المناخ في المكسيك حسب المناطق، وبالتالي فهي تحتوي على العديد من الثروات الطبيعية كالنفط والفضة والثروة الزراعية والبحرية، فهي بلد غني إذا استبعدنا التوزيع السيئ للثروة بها.
من الإجحاف الاعتماد على الصورة "الهوليودية" لمعرفة المجتمع المكسيكي، الذي تُظهر المكسيكيَّ مهرّبا للمخدرات أو عربيدا من الكاوبوي. لا يمكن نفي وجود تجارة المخدرات في هذا البلد وتهريبها وتورط حكوميين في تجارتها، يشهد على ذلك مقتل عدد كبير من الصحفيين الذين حاولوا الكشف عن الحقائق، فانتهت حياتهم بالاغتيال أو الفقد.
المكسيك إلى جانب تلك الصورة النمطية، بلد يهتم بالفن والجمال، فساحات مدنه تعرض أعمال نحّاتيه المبدعين. ومن يزور مكسيكو سيتي فلا بد له من المرور على "البيت الأزرق" الذي كانت تسكنه الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو وزوجها دييغو ريفيرا، وقد حولته الحكومة لمتحف يضم أعمال كاهلو وملابسها وأغراضها الشخصية.
كل زاوية من مدن المكسيك تعكس تاريخا وثقافة وتنوعا، وهي بلد الألوان المتعددة كشأن باقي بلدان أميركا اللاتينية، حتى إن شواهد المقابر في بعض مدنها مدهونة بألوان عدة.

