ربما تُسمى في العالم العربي "عقدة الخواجة" أو "عقدة الرجل الأبيض" وأحيانا "الفرنجي برنجي" وهي مرادفات قريبة لمصطلح "المالينشية" (Malinchismo) في المكسيك. فإذا قابلت شخصا منبهرا بالأجنبي في المكسيك، فمن المرجح أن من حوله يطلقون عليه "المالينشي" (Malinchista).
ترددت كلمة المالينشية أكثر من مرة خلال حديثي مع الشاعر والأكاديمي المكسيكي علي كالديرون، كنا نتحدث في مواضيع مختلفة فيسوقنا الكلام إلى المالينشية.
والمالينشية امرأة من السكان الأصليين يقال إنها كانت أحد أسباب انتصار الإسبان على الأزتيكا. عاشت ما بين عامي 1500-1527، واسمها الأصلي مالينالي، أو ماليتسين. كانت محظية المستعمر الإسباني إرنان كورتيس الذي وصل المكسيك عام 1519، ورغم أن أهلها كانوا قد أهدوها لكورتيس مع 19 وصيفة أخرى، كي تنقل تحركات الإسبان إليها، إلا أنها وقعت في حب كورتيس، فارتبط اسمها منذ ذلك الوقت بالخيانة وتفضيل الغريب على الأهل.
أما اللعنة، فهي ما يصيب الأمم إن فضلوا الغرباء على أهلهم. ومع أن المالينشية قبلت التعميد وتغيير اسمها إلى دونيا مارينا، فقد ظل الإسبان يعاملونها معاملة السيد للعبد، وهو تأثير آخر للعنة، إذ مهما أبديت خضوعا للغريب، سيما المستعمر، فهو يراك دوما أدنى منه.
الفساد إرث إسباني
يعتبر كالديرون أن الفساد المنتشر في المكسيك إرث إسباني قديم، وقد تحدَّث العالم الألماني ألكساندر فون هومبولت -خلال إقامته في المكسيك عام 1802- عما يسمى "عَقد (اتفاقية) الأبيض" حيث بإمكان الأشخاص من إثنيات أخرى –مثل المستيسو وذوي البشرة السوداء والسكان الأصليين- شراء هذا العقد. "هذا ما يعنيه الفساد، أن تدفع نقودا لتحصل على كل الحقوق التي يتمتع بها الأبيض الإسباني، أن تضطر للرشوة بسبب لون بشرتك. الفساد هو إرث إسباني وقد تغلغل في عمق روح الأميركي اللاتيني".
ويربط كالديرون ما بين لون البشرة والوضع الاقتصادي "لو كنت أبيض البشرة في المكسيك، فستكون فرصك كبيرة للحصول على وضع مادي ومكانة اجتماعية أفضل، وإن كان وضعك المادي ومكانتك الاجتماعية جيدين، فعلى الأغلب أنت ذو بشرة بيضاء".
بطريقة ما، يؤكد الكاتب والصحفي المكسيكي خوان بيورو على ما قاله كالديرون في هذا الصدد بقوله إن مجرد الصعود في المترو يعطيك فكرة عن التمييز على أساس اللون، فالمترو يعكس عدم المساواة الاجتماعية، إذ قلما تجد أشقر يصعد المترو، إذ معظمهم (الشقر أو بيض البشرة) لديهم سيارات خاصة، وإن حدث ورأيت أشقر في المترو فعلى الأرجح يكون سائحا.
الأجنبي بالمكسيك يكسب أكثر
هز الناقد والكاتب المكسيكي ميخائيل لاماس رأسه يمنة ويسرة تعليقا على حديث كالديرون معتبرا جزءا منه "تطرفا" حين قال كالديرون إن المكسيكيين غارقون في "المالينشية" وإن العمل الأفضل في المكسيك هو أن تكون أجنبيا. وروى الأخير ما حدث عقب الانقلاب العسكري في تشيلي عام 1973، حيث وصل الكثير من المنفيين السياسيين للمكسيك دون أوراق، وقد منحوا إقامات ووظائف حتى بدون شهادات، إذ يكفي مثلا أن يقول الأجنبي (في هذا المثال، التشيلي) إنه طبيب مثلا فيحصل على وظيفة، في حين يكون من الصعب على ابن البلاد الحصول عليها. أما في الأدب، فيقول كالديرون إن معظم الكتاب المكسيكيين المعروفين من "الكريّويو" وهم المولودون في أميركا اللاتينية من آباء إسبان أو أوروبيين.
قاطعته ذاكرة له أن موحد أميركا اللاتينية "سيمون بوليفار" كان من الكريّويو، لكنه لم يجد في مقاطعتي له اختلافا مع ما ذكر، فبرأيه أن الكريويو -في تلك الفترة عموما- كانوا يدافعون عن أنفسهم ويطمحون بالحصول على مراكز سياسية أقوى، إذ كان الإسبان يعاملونهم مواطنين من مستوى ثانٍ. وما زال الكريّويو يحكمون المكسيك -علّق لاماس- بأن كثيرا من السياسيين في الحزب الحاكم من الكريّويو. قال الاثنان (كالديرون ولاماس) "إن ذوي البشرة البيضاء يدعمون بعضهم".
تأملت لاماس وقلت له "أنت أيضا أبيض البشرة". فقال "نعم، لكني في شمال المكسيك أسمر البشرة، ثم إن أغلب عائلتي من ذوي البشرة السمراء".
وجهت سؤالا آخر لكل من كالديرون ولاماس "كيف تنظران للكريّويو الذين عاشوا في المكسيك ولا يذكرون لهم أصلا سوى المكسيك؟". فأجاب كالديرون "أجانب بجوازات مكسيكية" في حين قال لاماس "المكسيكيّون البيض".
هل كان كالديرون ولاماس يحاولان القول إننا سمر البشرة ولم نحصل على شيء إلا بجهودنا الشخصية؟ ربما.
الآخرون يتحدثون عن المايا
من ناحية أخرى -وفضلا عن التمييز على أساس اللون- فهناك تمييز على أساس العرق. سألت بيورو -الذي أعد برنامجا من 13 حلقة للتلفاز بعنوان "أحجار تتكلم" وجال مع فريق العمل في 27 موقعا أثريا- إن كان انطباعي صحيحا بأن من يتحدث عن السكان الأصليين ليس من السكان الأصليين، فأكد لي صحة انطباعي، فـ "كنت أتوقع أن أرى في تلك الأماكن علماء آثار من المايا والناواتل والسكان الأصليين، ولم أجد سوى واحد فقط. تعلَّم علماء الآثار الأوروبيون لغة المايا، لكن تاريخ المايا يرويه الأوروبي والكريويو وليس المايا. المكسيك بلد لم يستطع أن يتعرف على نفسه بنفسه".
ويوضح ذلك بقوله إنهم في الصغر قد درسوا حضارات الأزتيك والمايا والناواتل بوصفهم شعوبا مختصة بالفلك والعلوم والرياضيات، لكنهم لم يدرسوا عن الأضحيات البشرية التي كانت تُقدَم تقربا للآلهة إلا حينما قرؤوا خارج المناهج المدرسية.
الأزتيكي الجيد
تابع بيورو تشريحه للحالة في المكسيك والتي كان الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا قد وصفها سابقا بالقول "المكسيك، الديكتاتورية المثالية". إذ لفت بيورو النظر إلى أن المكسيك تحتفي بالأزتيكيين والمايا والناواتل الذين عاشوا في الماضي، أما السكان الأصليون الحاليون والذين هم امتداد لتلك الحضارات، فنصيبهم التهميش "المكسيك تكرِّم المايا الذين يعيشون في المتاحف وفي المواقع الأثرية، أما السكان الأصليون اليوم فلن تجد منهم سفيرا أو وزيرا. في المكسيك تجد "تلفزيون الأزتيك" و"بنك الأزتيك".. إلخ، لكنهم: الأزتيك الميتون وليس الأحياء".
وبعد تأسيس جيش الساباتيستا عام 1994 -والكلام على لسان بيورو- اكتُشف في بلدة بالينكي بالمكسيك تابوت "الملكة الحمراء". وقد اهتمت الحكومة –وفي المقدمة الرئيس السابق كارلوس ساليناس دي غورتاري- بهذا الاكتشاف وأقامت له دعاية كبيرة، كأنما تقول: هؤلاء هم المايا الذين نفخر بهم، لا أولئك الفلاحون البسطاء.







