غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من المكسيك

مرياتشي.. أغاني المدن المحافظة

ملف المكسيك 2017
مرياتشي.. أغاني المدن المحافظة

هم جزء من الصورة النمطية التي كرستها هوليود في أذهان الناس عن المكسيك، الصورة الأعم تخص ذلك المكسيكي الجالس بجانب نبتة الصبار مرتديا قبعة عريضة مستلقيا على الأرض سكران وإذا ما استيقظ فهو شخص عنيف.

إنها فرق المارياتشي التي اشتهرت بها المكسيك، جزء من تراث فولكلوري غنائي واسع إلا أنه الجزء الأشهر، والأصلح لاستعارة عناصره في الدعايات والإعلانات المختلفة المتعلقة بالمكسيك.

القبعة العريضة تسمى "تشارو" صارت وسما مرتبطا بالمكسيك رغم أن ارتداءها محصور في تلك الفرق الفولكلورية فقط.

في ساحة غاليباردي بالعاصمة المكسيكية تجتمع فرق المارياتشي من ساعات العصر تقريبا حتى أوقات متأخرة من الليل، وهناك تسعيرة معروفة للأغاني، تمتلئ الساحة بالسياح وبمحبي المرياتشي وتبدأ الفرق بمناداة "الزبائن" للغناء لهم، يسألك أفرادها عن الأغنية التي ترغب بسماعها كي تدفع 150 بيسوا مكسيكيا (ثمانية دولارات) مقابل الأغنية الواحدة، أما إن أردت الحديث معهم عن فن المارياتشي فستدفع خمسين بيسوا زيادة.

اقتربت من إحدى الفرق وأخبرتها عن رغبتي بإجراء مقابلة للحديث عن فن المارياتشي، بدت غير مهتمة، كان كل منها يشير للآخر، وكان انطباعي أنها لا تعرف الكثير عن تاريخه من بعض كلمات تبادلتها أمامي، وأشارت إلى أن أنتظر "كبيرها"، وهكذا وجدتني أتحدث مع أوربانو باربوسا رودريغس.

لن يرث أولادي المارياتشي

"أنا أوربانو باربوسا رودريغس، عمري 76 عاما، بدأت العمل مع فرق المارياتشي منذ أن كنت في العشرين من عمري، أبي كان عازف مارياتشي من مدينة خاليسكو، وهذه المدينة هي مسقط رأسي ومسقط رأس المارياتشي نفسه رغم أن البعض يقول إن أصلها من بلدة كوكولا".

ويضيف "أنا عضو في الاتحاد المكسيكي للمرياتشي الذي قررت فرق المرياتشي إنشاءه لتكون ساحة غاليباردي مقرنا، تعلمت العزف من والدي ومن معلمين آخرين، حفظت عنهم الأغاني المختلفة التي ما زلنا نؤديها حتى اليوم، وكنا قديما نستخدم أدوات عزف مختلفة عما نستخدمه اليوم من مزمار (ترومبيتا) وغيتار وكمان".

ويواصل تعريفه بأنشطة الفرقة فيقول "نحن لا نعزف في هذه الساحة فحسب، بل في عروض للتلفاز والمسرح، ونذهب أيضا للعزف في حفلات خاصة بمناسبات أعياد الميلاد وغيرها، كنا قبل ذلك نستخدم القبعة الواسعة "تشارو" عند العزف، لكن هذه الساحة -ويا للأسف- تمتلئ بالسكارى الذين يفقدون الوعي فيخلعون عنا قبعاتنا ويرقصون بها رغما عنا فتبدأ الخلافات، لذلك قررنا ألا نستخدمها أبدا في الساحة لتجنب تلك المواقف".

ويضيف "أنا ورثت هذه المهنة عن أبي، لكني أبعدت أبنائي عنها، لا أريدهم أن يقفوا في هذه الساحة التي ستمتلئ بعد ساعات بالسكارى والمدمنين، سأكون عازف المارياتشي الأخير في العائلة، وسأعزف وأغني ما دامت لدي القدرة على ذلك، حزين لأن فن المارياتشي يفقد شيئا فشيئا جزءا من قيمته الفولكلورية ويتحول لرمز سياحي تجاري، في الماضي كنا نعزف بشغف، الآن نعزف ونغني لكسب المال".

قبعة الأحجار الأربعة

غير بعيد عن فرقة المارياتشي رأيت فرقة من شخصين وملابس مختلفة، نوع مختلف من الموسيقى هو "هاروتشو بيراكروس"، وهو نوع غنائي قادم من مدينة بيراكروس، نزحت تلك الفرق من تلك المدينة، كما نزحت فرق المارياتشي من خاليسكو إلى العاصمة المكسيكية وانتمت لنفس الاتحاد، أما مؤسس الاتحاد الأول فهو صاحب صالون "تينامبا" الذي أسسه الخاليسكي إرناندس دياس عام 1925.ولا تتميز الفرق عن بعضها البعض بنوعية الموسيقى والأغاني والآلات المستخدمة فحسب، بل في الزي الرسمي الذي يعكس المنطقة الذي جاءت منها الفرقة، فإذا كانت قبعة المارياتشي "تشارو" تشبه قبعات الفلاحين لأن الفرق الأولى تشكلت من فلاحي خاليسكو فإن قبعة فرق الـ"هاروتشي" تسمى "قبعة الأحجار الأربعة" بسبب تجويفاتها الأربعة.

يقال إن موسيقى المرياتشي تعكس امتزاج الثقافة الموسيقية الأوروبية والمحلية والأفريقية، وقد نشأت خلال السنوات الأولى للاستعمار الإسباني للمكسيك بين مجموعات الـ"كوكاس" من السكان الأصليين في خاليسكو.

وكانت أغاني المارياتشي في البداية دينية ثم تحولت لأغان مختلفة تتناول موضوعات شعبية منوعة، ولا سيما بعد أن غنت فرقة مرياتشي في حفل بقصر الرئيس بورفيريو دياس الذي حكم المكسيك بين عامي 1876 و1911، ومنذ ذلك الوقت رافق بعض فرق المارياتشي راقصون وراقصات، وبات من الضروري دعوة الفرق للغناء في حفلات الزواج وأعياد الميلاد وغيرها.

وتعتقد أستاذة التاريخ في جامعة "إيبروأميريكانا" ماريا آسبي أن اعتبار فرق المارياتشي رمزا للثقافة المكسيكية ليس بالأمر الدقيق، فعدا عن أن هناك تنوعا كبيرا في الموسيقى المكسيكية فإن رموز الثقافة المكسيكية تتمثل أكثر في اللغة مثلا "التي تحتوي على مزيج من كلمات من لغات قديمة، والطعام المكسيكي الذي لا جدال على تفوق مطبخه".

وقد لفتت آسبي النظر إلى أن تلك الفرق الموسيقية قد نشأت في مدن ومجتمعات محافظة مثل مدينة خاليسكو التي ما زالت تحتفظ بصبغة "كاثوليكية" حتى الآن، لذلك فموسيقاها تأثرت بموسيقى الكنائس إضافة لمزج الآلات الموسيقية الأخرى من السكان المحليين والأفارقة، أما اللباس التقليدي فمن الواضح أنه محافظ.

وتنتشر اليوم فرق المرياتشي في أكثر من بلد بالقارة اللاتينية وفي الولايات المتحدة، وكان قد كوّنها مكسيكيون مهاجرون.

×