استضاف معرض غواذالاخارا الدولي للكتاب دولة الاحتلال الإسرائيلي ضيفة شرف عام 2013، وافتتح المعرض بحضور الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس، فيما لم يخف الزوار امتعاضهم من تشديد الحراسات على البوابات والمبالغة في تعزيز إجراءات الأمن.
على إثر ذلك بدأ في العام نفسه الحديث عن حملة المقاطعة الدولية لإسرائيل في غواذالاخارا نهاية 2013، لكنها لم تستمر، وعادت الحملة للظهور عام 2014 خلال حرب الكيان المحتل ضد قطاع غزة، لكن هذه المرة من مدينة بويبلا.
آنا روسا مورينو -الطالبة والناشطة الجامعية- تقول إنه في تلك الفترة نظمت مظاهرات ضد إسرائيل كانت البذرة الأولى لحملة المقاطعة.
عام 2015 قرر النشطاء تأسيس مجموعة لدعم حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل المسماة "بي دي أس" (BDS)، حيث شاركت المجموعة في أسبوع مناهضة الفصل العنصري ونظمت محاضرات عن دور شركة التأمين "جي فور أس" (G4S) في دعم إسرائيل منتهكة بذلك حقوق الإنسان والأطفال في السجون الإسرائيلية، إضافة لتنظيم نشاطات تدعم الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي وإحياء ذكرى النكبة في عدد من جامعات مدينة بويبلا.
الطلاب عصب الحركة
حاورنا ممثلين عن الحركة ومعظمهم طلاب جامعات في كل من المكسيك والإكوادور وتشيلي والأرجنتين والبرازيل والأورغواي، ولهذا أهمية كبرى تتمثل في نشر الوعي بين الحركات الطلابية والأكاديمية ليس في المعاهد والجامعات فقط بل بالمدارس. في المقابل، تبقى أدوار الحركة محدودة كون أفرادها بعيدين عن مراكز صنع القرار، وهو تحد استطاع البعض تجاوزه حسب الظروف السياسية لبلاده.
ففي المكسيك من المشاكل ما يكفي لغمر القارة الجنوبية، لذا لا يبدي الناس الكثير من الاهتمام لموضوع المقاطعة. مع هذا، فمورينو ترى تقاربا بين ما مر ويمر به المكسيكيون والفلسطينيون، فهناك جدار حدودي فاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك بظروف لا إنسانية للمكسيكيين يشبه الجدار العازل، كما يتلقى بعض كوادر الشرطة المكسيكية التدريب في دولة الاحتلال، ويستخدمون الرصاص المطاطي في تفرقة المتظاهرين، ثمة روح ثائرة تجعلها تنضم مع زملائها لتلك الحركة، وهي من أخبرتنا بوجود جدارية في المكسيك تحمل صورة الثائر المكسيكي إيميليانو ساباتا وبجانبه صورة للفلسطيني عبد القادر الحسيني.
وتتشابه مع المكسيك الظروف السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية إلى حد ما في كولومبيا، فالحكومة الكولومبية تتيح التعامل التجاري مع دولة الاحتلال وتشجعه، وهي ليست داعمة للقضية الفلسطينية. بالنسبة لسعيد خميس توبار -وهو العضو الوحيد تقريبا الذي أخبرنا أنه من أصول فلسطينية- فإن هناك عددا من أعضاء مجلس الشيوخ المتجاوبين مع حركة المقاطعة التي لم تكتف بالنشاطات داخل أسوار الجامعة بل انتقلت للشوارع والشركات التجارية، وقد أقامت الحركة في المكسيك وكولومبيا عدة أنشطة تدعو لمقاطعة شركة الأمن "جي فور أس" التي تتعامل مع إسرائيل، واستجاب لها عدد من الشركات والمتاجر مثل مطعم (Crepes & Waffles).
توبار أخبرنا أيضا أن معظم أعضاء حركة المقاطعة الناشطين ليسوا من أصول عربية ولا فلسطينية، وأن ما جمعهم هو إيمانهم بحق الإنسان الفلسطيني في العيش بكرامة.
"أنا فلسطيني.. لست إرهابيا"
رغم اختلاف الاسم فإن الهدف واحد.. مقاطعة الكيان المحتل، تشكلت في الأورغواي مجموعة "إبنوت" (IPNOT) أو (I am Palestinian, I am not terrorist) على فيسبوك، وتهدف إلى ضم مؤيدي القضية الفلسطينية والعمل مع حركة المقاطعة لذات الهدف، وهي كباقي حركات المقاطعة في أميركا اللاتينية تنشط في الجامعات ووسائل التواصل الاجتماعي وتقيم الندوات والمنتديات لوضع القضية الفلسطينية في سياقها التاريخي.
فالمعظم -كما كانت قد أخبرتنا مورينو من المكسيك- يفضل أن يسمع الرواية ذاتها عن القضية التي تخبره بها وسائل الإعلام الكبرى والمنافية للحقيقة.
باتريسيا راميرس من الأورغواي -أحد نشطاء إبنوت- أخبرتنا أن الحكومة الأورغوانية لها دور محدود في عملية المقاطعة، صحيح أنها لا تحاول المساس بها إلا أنها لا تدعمها، فالعلاقات التجارية بين الأورغواي ودولة الاحتلال محدودة لكن أصوات الاحتجاجات فيها ترتفع ضد دولة الاحتلال حين تشن حربا ضد الفلسطينيين كحروبها الأخيرة على غزة.
حظا أوفر في الأرجنتين
يقول دافيد كوميدي إنه يرى عدم دعم الحكومات للمقاطعة أمرا منطقيا، فهي نشأت أصلا بسبب تقاعس الحكومات تجاه حقوق الفلسطينيين، كما أن الحركة جاءت من رحم المجتمع المدني الذي زاد تعاطفه شيئا فشيئا مع حقوق الفلسطينيين.
ورغم أن الحكومة الأرجنتينية لها خطاب مؤيد للدولة الفلسطينية فإن مواقفها مزدوجة، فخلال العام الحالي ظهرت قوى تعزز التعاون التجاري والأمني والتكنولوجي مع دولة الاحتلال، الأمر الذي قاد المقاطعة لرفع وتيرة صوتها نحو المطالبة بوقف التعاون.
من جهتها، تروج الدعاية الصهيونية أن حملة المقاطعة تسيء للسامية وللديانة اليهودية، مما يصعب المهمة على أعضاء الحركة الذين -وفقا لكوميدي- يجدون أنفسهم مضطرين لتقديم تفسيرات عند كل فعالية يقومون بها لتوضيح موقفهم إزاء الديانة اليهودية التي يحترمونها والفكر الصهيوني الذي يحاربونه.
وقد قطعت الحركة في الأرجنتين شوطا حينما تمكنت من ضم أصوات مؤثرة لصفها، ففضلا عن دعم الاتحاد الأرجنتيني الفلسطيني لها فقد تمكنت من الحصول على دعم بعض المنظمات النقابية والعمالية مثل نقابة العمال (CTA)، والشبكة العالمية لليهود المناهضين للصهيونية (IJAN).
تشيلي.. خطاب الحكومة المزدوج
ربما بسبب وجود نسبة كبيرة من الفلسطينيين في تشيلي فإن تفاعل الناس مع حركة "بي دي أس" يبدو أسهل، ومن الجامعات أيضا تدور حروب باردة بين الحركة واتحاد الطلبة اليهود، فقد باتت حركة المقاطعة حديث الجامعات التشيلية في السنتين الأخيرتين، وحصلت على تصويت اتحاد الطلبة في جامعة تشيلي ونظمت أكثر من نشاط ومعرض للقضية الفلسطينية، بل قدمت نسخة مشابهة لجدار الفصل العنصري في أحد نشاطاتها لتوعية الطلاب بما يحدث فعلا على الأرض.
وتخاطب الحركة الكثير من المؤسسات التعليمية لوقف التعاون الأكاديمي مع دولة الاحتلال، ومنها الجامعة الكاثوليكية في تشيلي، الأمر الذي أثار حفيظة اتحاد الطلبة اليهود الذين باتوا يروجون لمصطلح "التعايش" محاولين إظهار "الوجه الناعم" لإسرائيل.
المقاطعة في تشيلي تمكنت من التواصل مع كتلة برلمانية تتعاون معها لفرض المقاطعة على المستوى الحكومي رغم أن الأمر ليس سهلا، فهناك تعاقدات بين تشيلي والكيان المحتل لشراء أسلحة قمع المتظاهرين، ومنذ فترة قصيرة كشف عن اتفاق سري يقضي بتدريب عسكريين تشيليين في إسرائيل، مما يشير إلى وجود ازدواجية في خطاب الحكومة التشيلية.
يتفق أعضاء المقاطعة في كل من تشيلي والإكوادور والمكسيك والأرجنتين والأورغواي وكولومبيا على أن وسائل التواصل الاجتماعي قد أمدتهم بالكثير من المساعدة فيما يتعلق بالتواصل فيما بينهم، والحصول على الأخبار بسرعة من مصادرها، فهم على علاقة أيضا بممثلي حركات المقاطعة في أكثر من مكان، خصوصا في الداخل الفلسطيني، حيث يتم تزويدهم بالصور والأخبار والفيديوهات أولا بأول.
في المقابل، تعرضت صفحات الأعضاء للاختراق والقرصنة وألغيت الكثير من حساباتهم، وبعضهم تم حظره من التعليق في صفحات بعض وسائل الإعلام المعروفة مثل الغارديان، إضافة إلى عرقلة بعض نشاطاتهم من قبل الاتحادات اليهودية الموجودة في بعض دول أميركا اللاتينية، مثل كولومبيا والأرجنتين وتشيلي والمكسيك.






