أوصلني سائق سيارة أجرة لكنيسة إنجليكية اعتقادا منه أنه المسجد الذي طلبت الوصول إليه في مدينة "سان كريستوبال بتشياباس". وآخر قادني لمعبد يهودي، قال إنه يرى نساء محجبات مثلي يخرجن منه وظن أيضا أنه "المسجد".
علمت لاحقا أن المسجد معروف بـ "معبد المسلمين" فتلك المدينة في الجنوب المكسيكي معروفة بالتنوع الديني، بها كنائس كاثوليكية وإنجليكية ومركز ديني يهودي وآخر بوذي ومسجد للمسلمين المنقسمين لأربع مجموعات، تمكنت من لقاء مجموعتين منها.
عائلة تشيفتشيف
التقيت "ماركوس تشيفتشيف" بداية، وكان قد اعتنق الإسلام عام 1996، بعد أخيه الأصغر "إبراهيم تشيفتشيف". ولهذه العائلة تاريخ مع الأديان، حيث تنتمي العائلة لبلدة "سان هوان تشامولا" التابعة لولاية "تشياباس" وهذه المدينة معروفة بقوانينها الخاصة التي لا تسمح لأبنائها بتغيير دينهم من الكاثوليكية لأي دين آخر، رغم أنها كاثوليكية مختلطة بالطقوس والدين القديمين.
كان جد إبراهيم وماركوس من أوائل من اعتنق الإنجليكية فطُرد من البلدة مع المعتنقين الجُدد وأُحرقت بيوتهم. ظل الجدُّ ملاحقا من قبل الـ "كاسيكي" وهم زعماء القبائل من السكان الأصليين، حتى أفلحوا باستدعائه لساحة المدينة عام 1986 -وفق ماركوس- وطلبوا منه التخلي عن دينه، وحين رفض قُتل في الساحة العامة للبلدة ومُثِّل بجثته.
وقد تسنى لي سؤال عن تلك "المجزرة" التي ارتُكبت في سان هوان تشامولا ثمانينيات القرن الماضي، فأخبروني أنها معروفة، وأن المعتنقين الجدد سكنوا مدينة سان كريستوبال بعد طردهم من بلدتهم الأم.
دعاني ماركوس لزيارتهم اليوم التالي، حيث يجتمعون لصلاة الجمعة ثم تناول الطعام معا وتلقي دروس في الدين الإسلامي. وصلت بعد الصلاة وقدموا لي حساء "الحريرة" المغربي.
أقيمت في المكان الصغير -الذي هو أقرب للمصلى منه للمسجد- مائدتان للرجال والنساء والأطفال. مكان متواضع مؤقت ريثما يبنون مسجدهم الخاص التابع للطريقة الأحمدية التي نشأت في باكستان نهاية القرن الـ 19. وفي المصلى تعرفت إلى العائلة المكونة من الأب والأم وثلاثة أبناء وزوجة الابن إبراهيم والأحفاد وأفراد آخرين.
من يتواصل مع مسلمي تشياباس يعرف الخلافات التي تسيطر على علاقتهم ببعضهم، والتي بدأت بعد تسع سنوات تقريبا من وجود الإسلام في المدينة التي انتشر فيها الإسلام على يد عائلتين إسبانيتين.
المسلمون الإسبان
بعد ظهور حركة "الساباتيستا" عام 1994 في ولاية "تشياباس" وانتشار أخبارها في العالم، قرر الشيخ "أحمد نافع" واسمه القديم "أوريلينانو بيريس أورويلا" أن يلتقي القائد ماركوس قائد ثورة الساباتيستا ليدعوه للإسلام، لكن الأخير رفض، وفق رواية عائلة تشيفتشيف التي تختلف في تفصيل صغير عما أخبرني به "عبد الرحمن لاغوس" وهو إسباني اعتنق الإسلام أواسط التسعينيات وانتقل من مدريد إلى غرناطة ثم تشياباس.
وأخبرني لاغوس أن الشيخ نافع اعتنق الإسلام أواخر سبعينيات القرن الماضي، وأنه ينتمي للطريقة الصوفية المرابطية المنحدرة من جنوب المغرب وانتشرت في غرناطة الإسبانية.
يقول "عمر أورويلا" ابن الشيخ نافع إن هدف والده كان نشر الإسلام في أميركا اللاتينية، وحين زارها وجد أن المكسيك ليس بها مساجد كبيرة وليس هناك معرفة بالإسلام، وتوافقت زيارته مع ظهور ثورة الساباتيستا، فزار المدينة وقرر البقاء فيها.
ووفق عبد الرحمن وعمر فإن عدد المسلمين بلغ ألفي مسلم -لم يعودوا جميعا مقيمين في تشياباس- منذ قدوم الإسبان، بينما أخبرتني مجموعة مسلمي الطريقة الأحمدية أنهم ربما لا يتعدون أربعمئة مسلم فقط.
بذور الخلاف
بعد استقرار الشيخ نافع في سان كريستوبال عام 1995، دعا بعض الزعماء من السكان الأصليين، ومن بينهم الوالد تشيفتشيف، وأرسل الأخير ابنه إبراهيم بدلا عنه وكان عمره حينها 15 عاما. اعتنق إبراهيم الإسلام ثم والدته نورا (خوانا إرناندس-سابقا) التي أقنعت زوجها لاحقا باعتناق الإسلام الذي كان الأسلوب الوحيد كي يهجر الخمور التي يتعاطاها السكان الأصليين بكثرة، ثم اعتنقت باقي العائلة الإسلام.
وبعد سنوات أخذوا بالابتعاد عن مجموعة "المسلمين الإسبان" بسبب تدخلات الإسبان في نظام حياتهم، كمنعهم -على حد قولهم- من أكل خبز الذرة (التورتيا) أو الحديث مع غير المسلمين من العائلة والأصدقاء، والتدخل في تفاصيل تتعلق بلباسهم، واعتبروا ذلك نوعا من فرض الوصاية عليهم خلافا لرسالة الإسلام.
تزوج إبراهيم عام 2001 بـ "جنة لوبيس" الإسبانية الأصل. سافرا مع أبنائهما عام 2007 لغرناطة، بهدف التعرف إلى الإسلام الحقيقي من مصادر مختلفة، وليس كما يدرّسه الشيخ أو "الأمير" نافع.
سفر جنة خلافا لرغبة والدها (من مجموعة الإسبان) ثم انتمائها للطريقة الأحمدية مع زوجها جعل والدها يقاطعها وعائلتها حتى هذه اللحظة، رغم أن مسجد "الإسبان" والطريقة الأحمدية يفصلهما شارع واحد فقط.
قبل هذا التاريخ، وتحديدا عام 1999، انتقل ابن عم إبراهيم، يحيى تشيفتشيف، للعاصمة المكسيكية، وهناك تعرف إلى مجموعة ذات ميول سلفية، وأسس إلى جانب عمر ويستون وعيسى روخاس مركز الكوثر الإسلامي. بينما تنتمي مجموعة أخرى للطريقة الصوفية النقشبندية الشامية، ويتزعمها إمام سوري.
تحول إبراهيم وعائلته لاحقا للطريقة الأحمدية، ما زاد من عمق الشرخ بين هذه المجموعة ومجموعة الإسبان. يقول إبراهيم مصدر مجموعتهم القرآن الكريم، وهم يتبعون سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكن الطريقة الأحمدية تحترم هويتهم الثقافية وحرياتهم الشخصية، كما أنه ليس لديهم مشكلة مع المجموعة الإسبانية التي ترفض الاعتراف بهم كمسلمين.
مع الإسبان من جديد
رغم أن المسلمين في مجموعة الإسبان خليط من إسبان وسكان أصليين وأبناء المدينة عامة، ورغم انتمائهم للطريقة الصوفية "المرابطون" لكنهم معروفون بالمسلمين الإسبان، ربما لعامل مهم يتعلق بالقيادة، فحين الحديث عن تلك المجموعات يُذكر اسم المسؤول عنهم مباشرة.
توجهت لمسجد الإمام مالك الذي لم ينته الإسبان من بنائه بعد، ولدي اعتقاد أنهم سيرفضون إجراء مقابلة صحفية، كما كان أخبرني عدد من الأصدقاء. بعكس توقعاتي، استقبلني الإسبانيان عبد الرحمن لاغوس وعمر ابن الشيخ نافع، وأخبراني أن عدم انفتاح المجموعة على الصحافة سببه تجاربهم مع وسائل إعلام كثيرة ربطت بينهم وبين مجموعات "متطرفة" أو حوّرت أحاديثهم.
توقفت عند مسألة منعهم من تناول "خبز الذرة". ضحك لاغوس حينها مع عمر وقالا إن هذه إحدى الحجج التي يسوقونها لتبرير انفصالهم. لاغوس قال إنه متزوج من امرأة من السكان الأصليين، وهي تطهو طعامهم وتستخدم خبز الذرة.
لا تتدخل أية مجموعة في السياسة رغم خروج الأحمديين في مظاهرة خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014، كما أن علاقتهم مع الكنائس والمعابد الأخرى قائمة على الاحترام.









