غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من نيكاراغوا

الكوابيس إلى مثواها الأخير بكرنفال غرناطة بنيكاراغوا

الكوابيس إلى مثواها الأخير بكرنفال غرناطة بنيكاراغوا

في فبراير من كل عام، يشيّع أهالي مدينة غرناطة في نيكاراغوا فكرة سلبية إلى مثواها الأخير ويدفنوها في بحيرة كوسيبولكا، بعد أن يجوبوا بها شوارع المدينة وأركانها، وهم يستمعون لشعر قادم من أطراف الكرة الأرضية، خلال مهرجان الشعر العالمي في مدينة غرناطة.

ومدينة غرناطة هي إحدى المدن السياحية المعروفة ببنائها المصمم على الطراز الكولونيالي، لكنها تميّزت دوما بوجهها الثقافي، ولهذا فقد اختيرت عام 2005 لتحتضن المهرجان الشعري العالمي الذي يحتفي بالفنون بأشكالها، ليكون المهرجان أكبر احتفالية شعرية في نيكاراغوا وأميركا الوسطى.

كان المستعمر الإسباني فرانسيسكو إرناندس قد بنى المدينة عام 1524، ومنذ ذلك الحين تبوأت مكانة هامة بسبب موقعها المشرف على بحيرة نيكاراغوا أو كوسيبولكا، كما لعبت دورا أساسيا في التكوين الاقتصادي والثقافي والفكري، ولهذا فقد وقع الاختيار عليها أو على مدينة ليون لتكون عاصمة نيكاراغوا في السنوات الأولى للاستعمار الإسباني.

مع هذا فقد شكل موقعها نقمة أحيانا وخصوصا أنه كان مطمعا للقراصنة الإنجليز الذين كانوا يصلون إليها عن طريق نهر سان هوان دل سور. وإثر الحرب الأهلية، عم الجفاف المدينة وأحرقت ودمرت على يد المستعمر الأميركي وليام والكر وقراصنته.

ومن تلك الخلفيات التاريخية والأسطورية والثقافية ولد الكرنفال الشعري في نيكاراغوا، الذي يتميز عن غيره من الكرنفالات بأن الرقص والموسيقى الصاخبة يصاحبان الشعر أثناء سير الشعراء المدعوين إلى المهرجان وقراءتهم لقصائدهم ابتداء من ظهر يوم الكرنفال وحتى مغيب الشمس في موكب احتفالي ملون.

اعتاد أهالي غرناطة حمل تابوت يحوي دمية تمثل الكوابيس والأرواح الشريرة كل عام، لإلقائها في بحيرة نيكاراغوا، لكن الكرنفال إضافة إلى الكوابيس يدفن خُلقا أو عادة سيئة كالجهل والحقد والأنانية وغيرها.

وعلى طول الموكب تنتشر رقصات مختلفة بعضها يؤديه طلبة المدارس وبعضها يؤديه أعضاء فرق خاصة، إذ يأتون بلباسهم الفولكلوري من جميع مدن نيكارغوا، ويؤدون رقصة بلداتهم، ولكل مدينة رقصة وموسيقى ولباس يميزها عن باقي المدن.

فن الأقنعة

ومن المألوف في الكرنفال رؤية أقنعة التنكر، حيث يتنكر أعضاء الفرق الفنية على شكل أشهر شعراء نيكاراغوا مثل إرنستو كاردينال وجيوكوندا بيللي، بل يركبون في عربة حصان متواضعة تقليدا لكاردينال وبيللي، اللذين يخصص لهما المهرجان عربة خاصة. وبعضهم يضع أقنعة لقراصنة تحاكي تاريخ المدينة، وآخرون يضعون أقنعة لوجوه بملامح أوروبية، وهذا يعود لتقليد قديم، إذ كان الإسبان يمنعون الشعوب من تأدية رقصاتها، لذا فقد كانوا يرتدون الأقنعة ذات الملامح الأوروبيّة والألبسة كذلك، هربًا من العقاب ولممارسة حقِّهم في الرقص.

كما تشارك فرق شعبية صغيرة في الكرنفال وأعضاؤها على الأغلب من أفراد العائلة الواحدة، وهم أطفال أو مراهقون، أحدهم يقرع طبلًا وآخر يتنكر بوجهٍ كبيرٍ دائري لكنه قصير، ويُدعى القزم ذا الرأس الكبير، والبطلة في الرقصة هي عروس ضخمة تسمى "هيغنتونا"، أي "الضخمة"، حيث يحرِّك أكتافها ويُرقِّصها الشخص الذي يكون بداخلها.

وترمز العروس الضخمة للمرأة الإسبانية البيضاء الطويلة، لكنَّها تبدو بلهاء ولا ترقص إلّا إذا ضرب الطبلَ أفرادُ الفرقة الآخرون الذين هم في الغالب "مستيسو" أي خليط من السكان الأصليين والأوروبيين. والرقصة ترمز للتفاوت الطبقي والاجتماعي، وبها ينتقم -لو صحَّ التعبير- ذلك "الهندي" من العجرفة الإسبانية، إذ القزم يرمز للهنديِّ ذي القامة الصغيرة ومع هذا فهو يسخر من المرأة الإسبانيَّة الطويلة ويجعلها ترقص حينما يطيب له أن يقرع الطبل، أمّا رأسه الكبير فهو رمز لعقله الكبير.

إضافة إلى رقصة الـ "ماتشو راتون"، والترجمة الحرفيَّة لها هي "فأر ذكري"، كما يطلق على هذه الرقصة أيضا رقصة الغويوينسي. والغويوينسي هو فنٌّ قائمٌ على الأقنعة التي تنتشر في الكرنفال بكثرة.

وتعني كلمة غويغوينسي في لغة الناهواتل العجوز، وأصلها يعود لمدينة ديريامبا في نيكاراغوا. إذ رفض أهل هذه المدينة السيطرة الإسبانية التي بدأت عام 1522 بقيادة فرنانديث دافيلا، وكان الهنود بقيادة الـ"كاسيكي" أو الزعيم ديريانهين. فحين جاء الإسبان استقبلهم الأهالي بترحاب منتظرين معرفة طلباتهم، ولمَّا أخبرهم الإسبان بوجوب الخضوع لهم، طلب الهنود منهم أن يمهلوهم بعض الوقت، وحين عاد الإسبان هاجمهم الهنود ليعتبر تمرَّدهم هو الأوَّل من نوعه في المنطقة. إلَّا أنَّ ذلك التمرَّد لم يدم طويلًا، إذ لم يستطع الهنود مجابهة الأسلحة المتطوِّرة للإسبان.

الأجيال اللاحقة وبعد قرنٍ من الزمان، ألَّفت عملًا مسرحيًّا ليكون شكلًا من أشكال المقاومة السلميَّة. كُتب هذا العمل في القرن السادس عشر باللغتين الإسبانيّة والناهواتل. وبه تُدمج عناصر من الفن الإسباني والموسيقى الشعبيَّة النيكاراغويَّة، وفي هذا العمل المسرحي، يرتدي الممثلون الأقنعة ويتبادلون حوارًا فكاهيًّا.

وثمة فرق يرتدي أفرادها أقنعة أشباح وأرواح شريرة شبيهة بتلك المستخدمة في عيد الهولووين الأميركي، ثم تجتمع الفرق في نهاية المطاف وعند وصولهم للبحيرة يلقون بها الدمية التي تمثل الفكرة السلبية في دعوة واضحة إلى التخلص منها، وخلال الأعوام السابقة دفن "العنف ضد المرأة" و"الجهل والتخلف" وغيرهما.

×