تحمل أطباق الطعام في المكسيك تاريخا وقصصا؛ فالبلاد ذات المكونات العرقية المتعددة ينعكس اندماجها في الحياة الثقافية، ومن ضمنها المطبخ المكسيكي المعروف عالميا، وربما أكثر ما اشتهر به خبز الذرة "التورتيا".
اعتبرت شعوب المكسيك القديمة الذرة عماد الحياة، لدخولها في معظم المكونات الغذائية، خاصة في وجبات الطعام الرئيسية؛ فطبق "التشيلاكيلي" يتناوله المكسيكيون غالبا في وجبة الإفطار، وهو مكون من قطع من خبز الذرة المقلي، مضافا إليه الجبن والكريمة الحامضة، إضافة إلى صلصة من طماطم حمراء أو خضراء وفلفل أخضر.
والتشيلاكيلي جزء أساسي على مائدة الفقير والغني في المكسيك، وقد تُضاف إليه قطع صغيرة من لحم الدجاج. وتتنوع ألوان الذرة في المكسيك من أبيض لأصفر إلى أحمر، فيكون الخبز بلون الذرة المصنوع منها.
الطبخ في الأديرة
السير في شوارع بويبلا ترافقه حيرة في اختيار الطبق الذي ستختاره للأكل، والأطباق فيها ارتبطت بالراهبات ومطابخ الكنائس والأديرة المنتشرة فيها، وتبلغ نحو 360 معبدا دينيا مسيحيا، بين كنيسة ودير وصومعة... إلخ؛ فحين وصل الإسبان لها ورأوا معابد السكان الأصليين قرروا بناء كنيسة فوق كل معبد قديم لطمس هوية البلد الدينية.
كان من مهام الراهبات في ذلك الوقت تحضير الوجبات واختراع وصفات جديدة، وهكذا تخصصت بعض الراهبات في فن الطهي لمناسبات اجتماعية، وأيضا بهدف بيعه للناس واستخدام مردوده لنفقات الكنيسة.
توقفتُ عند أحد المطاعم ذات التصاميم الفولكلورية الملفتة وسط المدينة، والتقيت "سيسار تينوكو كامبو" مالك المطعم، الذي أسسته جدته منذ مئة عام، وتوارثت العمل فيه أجيال من العائلة.
كنت جربت طبق "المولي" سابقا، وهو طبق يحتوي على لحم دجاج وأرز ملون وخضار، لكن ما يميزه هو صلصة ظننتها بداية "شوكولاتة"؛ فالصلصة مكونة من مسحوق بذور الكاكاو والكثير من البهارات والتوابل التي قال "سيسار" إن هناك قصصا متعددة حول اختراع هذا الطبق، لكن ما هو معروف عنها هو أن الأم الكبرى طلبت من إحدى الراهبات تحضير وجبة طعام، فقررت الراهبة خلط كل ما وقعت عليه يدها من توابل في المطبخ، واستخدمت لوحا حجريا لطحن التوابل وخلطها.
وكانت الراهبات الأخريات يقضين الوقت ممتنعات عن الكلام، فلم يستطعن السؤال عن الرائحة الزكية المنبعثة من أرجاء الدير، حتى قررت الأم الكبرى كسر الصمت حين سألتها عما تطحن، مستخدمة تصريفا خاطئا للفعل "طحن" أو "مولير" (Moler) فالتصق الاسم بهذه الوصفة التي تعني "مطحون".
ومهما كانت صحة تلك القصة، فالأكيد هو أن الطبق مزج بين عناصر مما قبل الغزو الإسباني بعناصر غذائية دخلت مع الإسبان؛ فالكاكاو يستخدمه السكان الأصليون في الأطباق الرئيسية مثلا، وهو كاكاو مُرّ ليس به سكر.
والتوابل أدخلها الإسبان معهم للقارة الجديدة، وهي أصلا مستوردة من الشرق، أما الدجاج فلم يعرفه السكان الأصليون إلا بعد دخول الإسبان الذين اصطحبوا معهم حيوانات من العالم القديم، كالدجاج والخنزير والحصان، حتى أن السكان الأصليين اعتقدوا بأن هناك مخلوقا بستة أقدام حينما رأوا الإسباني راكبا على حصان، إذ ظنوا أن الرجل والحصان تحته مخلوق واحد.
ومن الأطباق الأخرى المعروفة في المكسيك التي طبخت للمرة الأولى في بويبلا الـ"تشيليس إنوغاذاس"، حيث يقول سيسار إن راهبات "سانتا مونيكا" كان عليهن تحضير طبق لاستقبال إمبراطور المكسيك "أغوستين إيتوربيد" عام 1821 في بويبلا، فجهزت الراهبات طبقا من الفلفل المحشو واستخدمن الفاكهة والبندق واللوز وأعددن صلصة، واعتبرن الطبق من الحلويات، إذ كان مزيجا من الطعم الحلو والمالح مع عشرين نوعا من التوابل.
وحينما أكل الإمبراطور من هذا الطبق سألهن عنه فأخبرنه أنه نوع من الحلويات جهزته راهبات الدير، فعلَّق بأنه طبق رئيسي. ويقال إن الراهبات قد زيّنه بطعام يعكس ألوان العلم المكسيكي؛ فالصلصة بيضاء من الطحين والسكر والقرفة، وتزين بحبات الرمان الحمراء والبقدونس.
ترحيب بمطابخ جديدة
ومع وجود هذا التجانس والتصالح بين مكونات ما قبل الغزو الإسباني وما بعده، فإن أصنافا معينة من الطعام استمر وجودها لليوم، ولكن على مستوى ضيق جدا، كالطبق الذي يطهى من لحم كلب الـ"سولويتسكوينتلي" (Xoloitzcuintle)، وهو طبق من فترة ما قبل الغزو الإسباني.
أما الأطباق التي ما زالت تؤكل حتى اليوم وهي من فترة ما قبل الغزو، فهي طبق من بيض النمل المسمى "إسكاموليس" ودود يتكاثر حول شجرة "الماغاي" في مواسم معينة، حيث كانت قبائل الميشيكا تعتبر من لديه شجرة ماغاي شخصا غنيا، إذ يُستخرج من أوراقها عصير وتُستخدم أوراقها في بناء البيوت، ومن ترابها ينمو في مواسم معينة هذا النوع من الدود.
سألت سيسار عن مدى إقبال الناس على هذا النوع من المأكولات في المطعم، فقال إن معظم الزبائن يفضلون الطعام المكسيكي "المخلط"، والقليل جدا يسأل عن المأكولات القديمة.
مقابل مطعمه استوقفتني لافتة مطعم كتب عليها "تاكو عربي" (تاكوس آرابيس)، وهي رقائق من خبز الطحين مع لحم مقطع داخلها وصلصة معدّة على الطريقة اللبنانية في تحضير الشاورما، لكن حين سألت البائع عن نوع اللحم المستخدم أخبرني أنه لحم خنزير.
ووصل هذا الطبق لبويبلا بوصول المهاجرين اللبنانيين والعرب في بدايات القرن العشرين، لكن المكسيكيين استخدموا لصنعه أيضا لحم الخنزير لتوفره أكثر من لحم الضأن، ففي ما يبدو المطبخ المكسيكي كبلاده مفتوح لاستقبال الجميع.










