هو صورة متمثلة في أكثر من موقع أثري في المكسيك، وحاضر في الأدب والتاريخ والحاضر المكسيكي، وأحد الأسباب غير المباشرة لهزيمة شعب "الأزتيك" (واحد من شعوب المكسيك الأصليين)؛ الإله "كيتسالكواتل"، أو "الثعبان ذو الريش" أو "الثعبان المجنح".
تقول إحدى الأساطير إن إله القدر "تيسكاتليبوكا" تصارع مع الإله كيتسالكواتل، وبدأ الأمر حين احتسيا مشروبا كحوليا يدعى "بولكي"، وتحت تأثير الخمر أظهر تيسكاتليبوكا المرآة أمام كيتسالكواتل، وارتعب الأخير من رؤية نفسه على هذه الشاكلة "ثعبانا مجنحا"، لم يُعجبه شكله ولم يتعرف على نفسه ولم يتقبّلها، كان ثملا وقرر الرحيل.
يقول الكاتب المكسيكي "خوان بيورو" إن كارلوس فوينتس (أحد أبرز الكتّاب المكسيكيين) استعان بهذه الأسطورة في شرحه تحدي الهوية عند المكسيكيين، فهم كالإله الرمز في الديانة القديمة التي سادت في بلادهم؛ لا يقدّرون أنفسهم.
هذه واحدة من وجهات النظر التي استعارت صورة الإله كيتسالكواتل لتفسير تأثيره على حياة المكسيكيين، وهو الإله الذي يرمز للوحدة بين التراب كونه ثعبانا، والسماء بالنظر إلى ريشه؛ أما الريش فما زال استخدامه موجودا حتى اليوم بين السكان الأصليين.
وُجدت آثار تمثل الإله كيتسالكواتل في أكثر من موقع أثري في المكسيك، منها "تييوتيواكان" و"تينوتشتيتلان". أما "تييوتيواكان" التي تقع شمال العاصمة المكسيكية، فهي المدينة التي بُني فيها هرما الشمس والقمر، وتحمل الكثير من الأسرار؛ إذ لم يجد المؤرخون نصوصا ومخطوطات كافية لفك طلاسمها.
تعتقد عالمة الآثار "ليندا مانسانيا" بوجود أربعة حاكمين في تلك المدينة، وأن المدينة قسمت لأربعة أقسام تتناسب مع معتقدات "التيّيوتيواكان" بتقسيم الكون لأربعة أقسام، مما يدل على قدسية تلك المدينة الاستثنائية التي سكنتها أعراق عدة، كما تدل جدارياتها، فكان فيها مهاجرون من "بيراكروس" و"واخاكا" و"إيتيكال"، وتبين بيوتهم أن كل مجموعة كانت تمارس عاداتها دون عوائق.
وتُظهر الآثار أن توازنا قد اختل في سلطة تييوتيواكان التي تعني "حيث يتحول البشر إلى آلهة" أو "حيث ولدت الآلهة"، وقد يكون بركانا انفجر بها فأصبحت مدينة مهجورة حين وصلها الأزتيك.
من ضمن من هجر المدينة الإله كيتسالكواتل؛ فهو الإله التائه عند حضارة أميركا الوسطى. صحيح أن البعض انتقد هروبه، لكن شعب "الميشيكا" آمن بنبوءة عودته.
وفي الأدب المكسيكي، بحسب أستاذة الأدب "ديانا رودريغس فيرتيس" فقد استعان الكتاب المكسيكيون بصورة كيتسالكواتل في أعمالهم، كرواية "بطن تيبوستيكو" لخوسيه أغوستين، كما يمثل كيتسالكواتل في المخيلة الجماعية إله الميشيكا المهزوم.
أما الشاعر "أوكتافيو باث" فكانت قصيدته "حجر الشمس" التي استعار منها رموزا من ثقافة الميشيكا، بينما تعرَّض كتابه "متاهة العزلة" لنقد متنوع، ومنه أنه نظر للهوية المكسيكية انطلاقا من مفهوم "الهزيمة" المرتبط مع "هزيمة" الإله كيتسالكواتل.
الإله أبيض البشرة
إن مفهوم "النبوءة المنتظرة" أو عودة الإله، وفي هذه الحالة "كيتسالكواتل"، كانت سائدة عند الميشيكا، يقارنها البعض بعودة "المسيح" في الديانات التوحيدية، ويذهب آخرون إلى أن كيستالكواتل هو الإله الإنسان في ربط واضح بين صورته وصورة "المسيح".
تقول أستاذة التاريخ في جامعة إيبيرو "ماريا آسبي" إن كيتسالكواتل هو الاسم الذي منحه الميشيكا للإله الذي ليس له اسم، لكن مكانه محفوظ وعودته منتظرة، وكان الميشيكا يتوقعون قدومه في العام نفسه الذي غزا فيه المستعمر الإسباني "إرنان كورتيس" بلادهم.
وتقول نظريات أخرى إن كيتسالكواتل في الأساس ليس منهم، وإنما هو شخص غريب يرجح أن يكون من شعوب "الفايكنج" التي سكنت الأراضي الإسكندنافية، ولهذا وبسبب تشابه ملامح المستعمر الإسباني مع ما يعرفوه عن ملامح كيتسالكواتل، الإله الأبيض الملتحي، فقد اعتقدوا بأن المستعمر الإسباني هو الإله المنتظر، فاستقبلوه وقدموا له الهدايا قبل أن يدركوا خطر القادم الجديد.
تينوتشتيتلان
تينوتشتيتلان، هكذا كان يُسمى مركز العاصمة المكسيكية المعروف الآن بـ"السوكالو"، وما حوله، وكان عدد سكان مدينة تينوتشتيتلان عند وصول الإسبان مئة ألف نسمة، أي أنها كانت أكبر من روما.
وفي عام مئة من الميلاد، بُنيت المدينة بشكل كامل، وحتى عام أربعمئة ميلادية كان فيها سوق تجاري وتنوع بشري، أما ازدهارها فبدأ منذ عام سبعمئة ميلادية، وكانت مدينة متصلة بالعالم المحيط بها.
وعن استيطان الميشيكا في مدينة تينوتشتيتلان، تقول الأسطورة إن مجموعات من شمال المكسيك قررت ترك مدينة "أستلان" بناء على أمر من إلههم "ويتسيلوبوشتلي" بحثا عن "الأرض الموعودة"، وفي الطريق إلى تينوتشتيتلان يتمثل ويتسيلوبوشتلي في الشمس مانحا إياهم القوة.
كانت تعبر المدينة قنوات مائية إضافة إلى التنوع البشري والتجاري فيها، الأمر الذي أدهش الإسبان، وفي الوقت نفسه حملهم على العمل على هدم الحضارة السابقة لإقامة "حضارتهم"، لذا فإن جزءا من الكاتدرائية الموجودة في السوكالو مبنية بالأحجار التي كان يستخدمها الأزتيك أو الميشيكا في البناء، ومنها أحجار المعبد الأعظم "تيمبلو مايور"، الذي عثر عليه خلال حفريات عام 1978، وبه ممر مرصوف بالجماجم البشرية يستقبل الميشيكا عبره حكاما آخرين من مدن مختلفة، كما تتواجد على درجات المعبد تماثيل للأضاحي البشرية التي كانوا يعتقدون بأن التوقف عن تقديمها سيمنع الشمس عن الإشراق.
لا تتوقف الأبحاث عن تاريخ المكسيك وحضاراته القديمة، حتى أن دعابة تنتشر بين المؤرخين المكسيكيين تقول إن حفر شارع في المكسيك لبناء سكة لقطار الأنفاق أو تمديد أسلاك أو أنابيب هو فرصة جيدة للكشف عن آثار أخرى وممالك جديدة.








