باءت محاولاتي بالفشل للتعرف إلى أحد أعضاء جيش الساباتيستا للتحرير الوطني الذي كانت انطلاقته من ولاية تشياباس جنوب المكسيك.
معظم من سألتهم عن إمكانية التواصل مع أحد أفراد الجيش الذي تحول إلى "حركة" أكثر منه جيشا يحملون فكرا يساريا مقاربا ومناصرا للحركة، مع هذا فهم -على حد قولهم- لا يعرفون أفراد الحركة شخصيا لأنهم لا يكشفون وجوههم أبدا.
آخرون على علاقة مباشرة بهم طلبوا مني التواصل مع صفحتهم على فيسبوك، لكن الأمر لم ينجح، فالجميع مشغول بالحملة الترويجية لماريا هيسوس باتريسيو مارتينيس مرشحة الرئاسة عن المؤتمر الوطني للسكان الأصليين وجيش الساباتيستا للتحرير الوطني.
تمكنت في النهاية من لقاء القس هويل بادرون غونسالس من الكنيسة الكاثوليكية وأحد الداعمين الرئيسيين لحركة الساباتيستا إلى جانب الأسقف صامويل رويس (2011-1924)، وكان الأخير قد وجهت له أصابع الاتهام بدعم جيش الساباتيستا والتغطية عليه بحجة أن أفراد الجيش من السكان الأصليين كانوا متأثرين بأفكاره الرافضة للطبقية، سواء على مستوى الكنيسة الكاثوليكية أو اجتماعيا.
وكانت الحكومة تعتقد أن تلك الطبقة الضعيفة ليس بإمكانها الحراك إلا بتوجيه قوي من كنيسة يتحدث أسقفها دوما عن الرب العادل الرافض لهذا الظلم، فحين وصل رويس مدينة سان كريستوبال التابعة لولاية تشياباس ليكون أسقفا لكنيستها ساءه ما وجد من فقر السكان الأصليين وقمعهم ومصادرة أراضيهم.
يقال إنه في ذلك الوقت الذي وصل فيه تشياباس عام 1959 كان السكان الأصليون يتركون السير على الرصيف وينزلون الشارع لإفساح الطريق للأبيض والمستيسو (أبناء تزاوج البيض مع السكان الأصليين) بالمرور، وخلال بدايات التمرد لم تجد الحكومة غيره للتحدث مع الجيش للوصول إلى اتفاق، وافق الأسقف على التدخل -بحسب الأب غونسالس- لوقف القتال لا لإنهاء الحركة.
ورغم أن الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت لم تكن توافق على أعمال وأفكار الأسقف رويس فإن البابا فرانشيسكو زار قبره حين وصل المكسيك عام 2016، وصار استخدام اللغات المحلية بالصلاة في الكنائس الكاثوليكية رسميا بعد زيارة البابا، في حين كان الأسقف قد بدأ ذلك خلال سنوات عمله في كنيسة سان كريستوبال.
المفاجأة سبب النجاح
"كانت المفاجأة التي سببها جيش الساباتيستا للحكومة هي أهم عناصر نجاح الجيش في فرض نفسه"، ويقول الأب غونسالس مفسرا "حكومة المكسيك لم تكن تتوقع أبدا أن تخرج حركة مسلحة من الجنوب المهمش، ولاية تشياباس غنية ومليئة بالثروات الطبيعية، لكن الحال أن السكان الأصليين كانوا مجبرين على العمل طوال الوقت، وهم فلاحون بسطاء، في حين يحصل الثروات أصحاب رؤوس الأموال، لأن الاستبداد في الحكومة المكسيكية ناشئ من العمق، بعكس الصورة الديمقراطية التي تظهرها للعالم".
ظهر جيش الساباتيستا فجر 1 يناير/كانون الثاني 1994 بعد ساعات من دخول اتفاقية التجارة بين المكسيك والولايات المتحدة وكندا حيز التنفيذ، ليكون حائط صد لتنفيذ تلك الاتفاقية التي ستغرق الفلاحين والطبقة العاملة أكثر في الفقر وتمنح الأغنياء المزيد من الثروة.
وضع الأب غونسالس يديه على وجهه وهو يقول "لهذا، خرج جيش الساباتيستا وأفراده يغطون وجوههم بالأقنعة كي يصبحوا مرئيين، لأنهم إن لم يفعلوا ذلك ما التفت إليهم أحد".
تحول ذلك القناع فيما بعد رمزا لحركة الساباتيستا التي لا يظهر أفرادها في المناسبات والمسيرات والأنشطة المتعلقة بهم إلا وهم مغطو الوجوه ليراهم الناس وتراهم حكومتهم، وقد اتخذوا من جبال ولاية تشياباس مقرا لهم.
عرفت الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت بدعمها لحقوق السكان الأصليين حتى أن الحكومة كانت قد سجنت الأب غونسالس 49 يوما عام 1991 متهمة إياه بالتآمر ضد الحكومة، في حين كانت الحقيقة برأيه أن مواعظ الكنيسة كانت تهدد الطبقة الرأسمالية في تشياباس بسبب مطالبتها بمنح الحقوق للسكان الأصليين.
ويستذكر غونسالس خروجه من السجن بقوله إن "الكثيرين خرجوا مطالبين بإطلاق سراحه، إذ يعد سجن رجل دين كاثوليكي في المكسيك سابقة، مما اضطر الحكومة إلى الخضوع لمطالب الناس وإطلاق سراحه".
11 يوما هي فترة الاشتباكات التي دارت بين جيش الساباتيستا والجيش المكسيكي، سيطر بعدها الساباتيستا على المدينة فأحرق القصر الرئاسي واحتل مقر الإذاعة، وسقط قتلى من كلا الطرفين، وأوقف القتال خروج الكثيرين في المدن المكسيكية من المؤيدين لحق الساباتيستا في التمرد على الأوضاع السيئة، ووساطة الأسقف رويس.
البعض ممن أيد الساباتيستا عارض أسلوبهم في استخدام السلاح، لم يجبني غونسالس عن سؤالي عن مصدر الأسلحة التي كانت، وما زالت بحوزة جيش الساباتيستا، في وثائقي أنتجته صحيفة لا خورناذا وتلفزيون 6 يوليو/تموز يقول أحد أفراد الساباتيستا إن مسألة تسليم الجيش للسلاح أمر غير وارد مع أنهم لا يستخدمونه.
القائد ذو القناع والغليون
تردد اسم القائد ماركوس خلال حديثي مع الأب غونسالس، وكان ذلك طبيعيا لأن ماركوس هو من قاد التمرد وهو المتحدث باسم الساباتيستا، ولا يظهر ماركوس في جميع المقابلات الصحفية إلا مغطى الوجه ظاهر العينين وفي فمه غليون.
لفت القائد ماركوس نظر العديد من الكتاب والمثقفين، كالكاتب الأورغوياني إدواردو غاليانو والأميركي نعوم تشوميسكي، وقد أجرى معه الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز لقاء صحفيا، كما كتب عنه الكاتب المكسيكي باكو تايبو الثاني.
كشفت الحكومة لاحقا أن ماركوس هو رفائيل سيباستيان غيِّين بيسنتي، درس الفلسفة في الجامعة الوطنية المستقلة أونام، وكان محاضرا جامعيا في عدد من الجامعات، الملفت للنظر أنه كان من المستيسو (أبيض البشرة) ولم يكن من السكان الأصليين، وكان هذا واضحا من عينيه البارزتين من قناعه. بدوره، كان ماركوس ينفي دوما أنه رفائيل، أما استخدامه اسم ماركوس فبسبب مقتل أحد رفاقه الذي يحمل الاسم نفسه خلال الاشتباكات مع الحكومة فكان استخدام الاسم رمزا لمواصلة النضال.
عام 2014، قرر ماركوس إنهاء شخصية ماركوس وانسحب من قيادة جيش الساباتيستا مسلما القيادة لغيره.
الصوت ينخفض تدريجيا
"بعكس الكثير من حركات التمرد في أميركا اللاتينية والتي تمكنت من الوصول للسلطة أحيانا، مثل "الساندينيستا" في نيكاراغوا، أو مواصلة النضال المسلح وفرض شروط على الحكومة كحركة "الفارك" في كولومبيا، تراجع دور حركة الساباتيستا في ولاية تشياباس، وباتت لا تظهر سوى في مناسبات معينة للخروج بمظاهرات ومسيرات".
طلبت من الأب غونسالس توضيح هذا التراجع، وقد وافق عليه ثم استدرك "لكن ها هم يخرجون مجددا ولديهم ناطقة رسمية هي ماريا خيسوس باتريسيو، أو ماريتشو كما يسمونها هناك، قلت له "لا أرى لها في المدينة -وأقصد سان كريستوبال- الكثير من المؤيدين، تحدثت مع أكثر من مجموعة، ومنهم حتى مسلمي تشياباس من السكان الأصليين، والجميع أبدى لامبالاة بموضوع ترشحها للرئاسة"، فعلق غونالس أنها "ليست فقط ناطقة باسم السكان الأصليين في المكسيك، بل إنها مع المؤتمر الوطني للسكان الأصليين وجيش الساباتيستا".
ويضيف "يتحدثون عن مكسيك تناسب جميع المكسيكيين، مكسيك خالية من الفساد، لكن الجميع يعلم أنها لن تنجح في السباق الرئاسي، لأن ترشحها هو مجرد محاولة للقول إننا هنا وما زلنا، وكان الساباتيستا دوما يتحدثون عن أنهم لن يخوضوا في اللعبة السياسية في المكسيك بسبب الفساد المستشري في نظامه السياسي".
هذا لا يعني غياب مؤيديها، بيد أنهم يتمركزون في مناطق معينة من الولاية كمدينة أوفنتيك، كما أن لها مؤيدين في العاصمة ومدن أخرى بالمكسيك مهتمين بحقوق الإنسان ومناهضين للفساد.
وخلال لقائي بالكاتب خوان بيورو في العاصمة المكسيكية كان قد أخبرني أن بنك أزتيكا قد رفض إقراض حملة ماريتشو الانتخابية، في حين شكك الأب غونسالس في أن تكون الحملة قد طلبت أصلا قرضا أو مساعدة من البنك لأن الرفض هو نتيجة حتمية "أعتقد أن المساعدات للحملة تأتي من الخارج".



